بلا رابط
عبد الكريم الناعم
*أحياناً، حين تريد وضع العنوان، كبداية، تحتار، وأحياناً قد يلجأ الكاتب إلى العنوان بعد أن ينتهي من كتابة مقالته، المهمّ أني لا أجد رابطاً بين ما بذهني، إلّا التداعيات، وقد لا يكون ثمّة رابط، بل ثمّة وجع إنساني، وقلَق مشروع،
*في أواخر ستينات القرن الماضي، جمعتْني المصادفة بواحد من كبار تجار سوق المقبي في حمص، وكان في الأربعينات من عمره، وتبدو عليه علامات الصحة، والعافية، ونشاط الشباب، ومن حديثه تبيّن بأنّه شبه مهووس بسلامة صحّته، فهو من طبيب إلى طبيب، لا بسبب أية شكوى، بل بدافع الاطمئنان، ولم تُقنعه حمص فسافر إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد جلسة طويلة مع طبيب من أشهر أطباء القلبيّة في بيروت، قال له ذلك الطبيب بعد أن أدرك حالته: "اسمع هاتين الكلمتين، أنت في هذه اللحظة تصلح أن تكون طيّاراً، وليس في جسمك ما يدعو للقلق، بيد أنّك قد لا تخطو خارج هذه الغرفة التي نحن فيها حتى تقع ميْتاً، افهمْ هذا حتى ترتاح، وهو ان تعرف كيف تسلّم أمرك لله".
أوردتُ هذه الحادثة لأسند روحي، وأرواح مَن يقرأ لي، سواء أكان مع هذا الرأي أم كان ضدّه،
أنا أعلم أنّ ثمّة في بلادنا مَن يرى الموت خلاصاً، وهو في ذلك، في الغالب، لم يقرأ الشعر،.. وحتى لم يسمع مَن يردّده:
وَلَوْ أنّا إذا مِتْنا تُركْنا
لَكانَ الموتُ راحةَ كلِّ حيِّ
ولكنّا إذا مِتْنا بُعتْنا
ونُسألُ بعدها عن كلِّ شيِّ
عرفتُ صديقاً كان ممتلئاً قناعة أنْ لا شيء بعد الموت، وأنّ الموت انطفاء، وانتهى الأمر، وربّما غبطتُه على هذا اليقين، لأنّه ينجيه من قلق التساؤل والمصير،
فلْيفرح الذين يقولون إنّ الموتَ نهاية كلّ شيء، ولا شيء بعده، وبظنّي أنّ معظمهم غير واثق من ذلك ثقة تامّة،
سامحونا، ربّما كنّا جميعاً، في هذا الزمن الأغبر، كمَن يغني في طاحونة دائرة،
*قال لي أحد الأصدقاء: "أخي نحن منذ افتتاح وجود دنيانا هذه، في مأزق، وثمّة مَن قال/: بُني هذا الوجود على الفاجع"،.. كأنّ هذا الكوكب خُلق ليكون كذلك،..
بحسب الروايات، بمرجعيّتها الدينية، أو ألأسطوريّة- وأنا آخذ الأسطورة هنا بمعناها الإيجابي الرمزي لا غير- كانوا اربعة، الأب والأم وأخَوان، وأختان، فقام أحدهما بقتْل أخيه، ليحصل على ما يريد، لا على ما قُسِم له، أنظر الآن، لا سيّما في منطقتنا العربية الاسلاميّة، فالنّار في كلّ مكان، وثمّة مَن يفقد بيته وعائلته في طرفة عين، بعد إلقاء قنبلة عليها، وثمّة مَن فقَدَ ما هو أغلى، لقد اغتصبوا أقدس مقدَّساته، باسم مقدَّسات أخرى ابتدعوها، أو ابتدعها لهم شيطان رجيم"،
قلتُ له: "ما تقوله صحيح، ولا اعتراض لي عليه، ولكنّ فهمه لا يُخفّفُ الألم، بل قد يزيد في ضرامه"،
قال :" لقد اختلف أصحاب الأفكار الرّفيعة حول ذلك، فبعضهم قال ما يجري شيء إلّا باستحقاق، واستشهدوا بالآية القرآنيّة: "وَما ربّكَ بظلاّمٍ لِلعبيد"، وتعدّدت الأقوال بحسب ما تراءى لتلك العقول"،
قال: "هذا يصلح للأزمنة المناسبة، ولِلأمكنة التي تتفتّح فيها أزاهير الأفكار، أمّا حيث تشتعل الحرائق، فأنت لا تجد فسحة إلّا للبحث عن بقايا العائلة في الرّكام المحترق، أو أن تقفز خارج دائرة اللهيب إن استطعت"،
قلت: "بظنّي أنّ اثنين استطاعا أن يكونا خارج الدائرة التي نحن فيها"،
واحد بمرتبة القديسين الذين وصلوا الى مرتبة (الرضى)، وهم في غمرة المعاناة، والأخر هو فاقد العقل،.. وقديما قيل: "ذو العقل يشقى.."،
اللّهم أسقط رذاذ أنسك ورحمتك على قلوبنا التي تشققّت من ظمأ...
16/8/2026