ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟
فادي شربل داود
في سنة 1831، كان لبنان يقف على حافة تحوّل كبير. فالدولة العثمانية التي حكمت المنطقة قروناً بدأت تترنح تحت وطأة الأزمات، فيما كان محمد علي باشا، والي مصر الطموح، يمدّ نفوذه شمالاً عبر ابنه القائد إبراهيم باشا. وبين إسطنبول والقاهرة، وبين الولاء للسلطان والانجذاب إلى المشروع المصري الجديد، انقسمت البلاد، وارتجفت الجبال والسهول تحت وقع الأخبار والجيوش...
في تلك الأيام المضطربة، كان شمال لبنان يعيش قلقاً لا يقلّ عن قلق المدن الكبرى. فطرابلس تراقب البحر والحرب معاً، ووادي قنوبين يتابع من أعماق صخوره ما يجري في السهول، بينما كانت كسروان تستعد لاستقبال مرحلة جديدة من تاريخها.
وسط هذا المشهد برز رجلان، أحدهما يحمل السيف والآخر يحمل الصليب، لكنهما اجتمعا على الوفاء والإنسانية: حاكم طرابلس بربر آغا، والبطريرك الماروني يوسف بطرس حبيش.
وُلد مصطفى آغا بربر( بربر آغا ) سنة 1767 في بلدة القلمون الساحلية شمالي لبنان. لم يولد في قصر، ولا نشأ بين أصحاب النفوذ، بل عرف تعب الأرض وخشونة الحياة منذ طفولته. غير أن الذكاء والجرأة فتحا أمامه أبواب الصعود.
خدم الأمير حسن شهاب، ثم لفت أنظار الولاة العثمانيين، فارتقى حتى أصبح متسلّم طرابلس واللاذقية وجبلة. وخلال عقود من الحكم، تحوّل إلى أحد أقوى رجال الشمال وأكثرهم نفوذاً.
وكان أهل طرابلس يعرفونه حاكماً حازماً، فيما عرفه كثير من المسيحيين حامياً للاستقرار، إذ ضمّ إلى ديوانه عدداً من المستشارين المسيحيين، وأقام علاقات متينة مع وجهاء المناطق المارونية ورجال الكنيسة.
أما قلعة إيعال التي لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم، فكانت شاهداً على نفوذ رجل عرف كيف يحكم بالسيف حيناً، وبالسياسة حيناً آخر...
وفي الجهة الأخرى من المشهد، كان يوسف بطرس حبيش يشق طريقه نحو السدة البطريركية.
وُلد يوم عيد القديس جرجس في ٢٣ نيسان سنة 1787 في بلدة ساحل علما الكسروانية، وترعرع في زمن مليء بالتحولات. تميز بثقافته الواسعة وحنكته الدبلوماسية، فاختير مطراناً على طرابلس قبل أن يصبح سنة 1823 بطريركاً للكنيسة المارونية.
وكانت شخصية البطريرك حبيش تجمع بين الصلابة والوداعة. أحب قنوبين وأحبته، فكم من صباح رآه الرهبان يسير بين الصخور والأرزات الصغيرة، يرفع عينيه نحو السماء ويصلي من أجل شعبه.
وكان يدرك أن الراعي الحقيقي لا يقود المؤمنين في أوقات السلام فقط، بل في زمن العواصف أيضاً.
بدأت علاقة الصداقة بين الرجلين عندما كان يوسف حبيش مطراناً على طرابلس.
في المدينة العريقة التي جمعت المآذن والأجراس والأسواق والخانات، نشأت بين الحاكم المسلم والمطران الماروني علاقة احترام نادرة.
ومع مرور السنوات، تحولت المعرفة إلى صداقة.
كان بربر آغا يخاطب المطران ثم البطريرك بألقاب مليئة بالمودة والاحترام، فيما كان حبيش يرى في الحاكم رجلاً يحفظ الأمن ويمنع الفتن.
وربما دار بينهما أكثر من حديث حول مستقبل البلاد.
في إحدى الزيارات، يُخيَّل للمرء أن بربر آغا قال لصديقه:
– "يا سيدنا، السياسة تتبدل كل يوم، أما الناس فتبقى."
فيجيبه البطريرك:
– "ومن يحفظ الناس يحفظه الله، يا آغا...."
في خريف سنة 1831، بدأت الأحداث تتسارع.
إبراهيم باشا يتقدم من الجنوب.
الأمير بشير الشهابي الثاني يميل إلى التحالف مع المصريين.
والسلطة العثمانية تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها.
وفي هذه الفوضى، أصبح وادي قنوبين معرّضاً للخطر.
كان الوادي، الذي احتضن بطاركة الموارنة قروناً طويلة، يبدو كقلعة طبيعية هائلة. جدران من الصخور الشاهقة، ووديان سحيقة، وأديرة محفورة في قلب الجبل.
لكن حتى الجبال لا تستطيع أن تعزل نفسها عن الحروب.
وصلت الأخبار إلى طرابلس.
الطرق لم تعد آمنة.
الجيوش تتحرك.
والعيون تراقب كل شيء.
عندها شعر بربر آغا أن صديقه البطريرك أصبح في خطر...
في إحدى الليالي، انطلق رسول من طرابلس باتجاه الوادي.
اجتاز التلال والوديان والقرى النائمة حتى وصل إلى دير سيدة قنوبين.
دخل إلى مقر البطريرك حاملاً رسالة عاجلة.
قرأها البطريرك بصمت.
كان مضمونها واضحاً:
"الوادي لم يعد آمناً. أخشى أن تصبحوا في قلب الصراع. يجب التفكير بالمغادرة قبل فوات الأوان."
رفع البطريرك رأسه نحو النافذة.
كان الليل قد أسدل ستاره على الصخور السوداء.
وسمع خرير مياه الوادي كأنها تهمس له:
"احفظ الرعية أولاً."
لم يكن قرار مغادرة قنوبين سهلاً.
فهنا عاش بطاركة الموارنة منذ العام ١٤٤٠
وهنا صلّى القديسون والرهبان منذ فجر المسيحيّة
وهنا اختبأت الكنيسة في أصعب مراحل تاريخها.
لكن الحكمة كانت تقتضي الرحيل المؤقت.
وعندما حانت ساعة المغادرة، كان رجال بربر آغا قد أعدّوا الطريق.
انتشروا على الممرات الجبلية.
راقبوا المنعطفات الخطرة.
وأمّنوا عبور الموكب البطريركي بعيداً عن أعين المتربصين.
كان الليل بارداً.
والقمر ينساب فوق قمم بقاعكفرا و بشري.
أما أجراس الأديرة فبدت وكأنها تودع البطريرك بصمت.
ويروي الخيال التاريخي المشهد كأنه لوحة:
التفت البطريرك نحو الوادي المقدس للمرة الأخيرة وقال:
– "يا رب، كما حفظت هذا الوادي عبر القرون، احفظ أبناءه اليوم."
فأجابه أحد مرافقيه:
– "لا تخف يا سيدنا، فالله يفتح لنا طريقاً جديداً."
وصل البطريرك سالماً إلى كسروان...
وكانت بكركي، التي بدأت تكتسب أهمية متزايدة، أكثر أمناً من مناطق الاشتباك في الشمال.
هناك تابع إدارة شؤون الكنيسة، فيما استمرت الأحداث العسكرية في بلاد الشام.
وبذلك لم يكن انتقاله مجرد رحلة جغرافية، بل محطة مفصلية في تاريخ البطريركية المارونية.
لقد ساهمت الظروف السياسية والحروب في ترسيخ دور بكركي مركزاً وطنياً وروحياً للموارنة، وهو الدور الذي ستؤديه لاحقاً في تاريخ لبنان الحديث...
ما الذي جمع الرجلين؟
لم يكن بربر آغا مارونياً.
ولم يكن البطريرك حبيش مسلماً.
لكن كليهما كان ابن هذه الأرض.
وكلاهما فهم أن حماية الإنسان تسبق الحسابات الضيقة.
في زمن انقسمت فيه الولاءات، بقيت الصداقة أقوى من السياسة.
وفي زمن ارتفعت فيه المتاريس، مدّ رجل مسلم يده لحماية بطريرك مسيحي.
وهكذا كتب التاريخ صفحة جميلة من صفحات لبنان.
صفحة تؤكد أن العيش المشترك ليس شعاراً حديثاً، بل حقيقة عاشها رجال كبار قبل قرنين من الزمن.
قد تتغير الدول والحدود والتحالفات.
وقد يسقط حكام ويأتي غيرهم.
لكن ما يبقى هو الخير الذي يزرعه الإنسان في حياة الآخرين.
لقد رحل بربر آغا سنة 1835.
ورحل البطريرك يوسف حبيش سنة 1845.
لكن ذكرى الوفاء التي جمعتهما بقيت حية.
ففي زمن الحرب اختارا الإنسان.
وفي زمن الخوف اختارا الثقة.
وفي زمن الانقسام اختارا المحبة...
يا رب السلام،
يا من جمعت أبناء هذا الوطن بين جبلٍ وبحر،
وبين مسجدٍ وكنيسة،
وبين جرسٍ ومئذنة،
علّمنا أن نرى في الآخر أخاً لا خصماً،
وشريكاً لا غريباً.
كما جمعت قلب بربر آغا بقلب البطريرك يوسف حبيش،
اجمع قلوب اللبنانيين اليوم على المحبة والصدق والوفاء.
بارك قنوبين وبكركي وطرابلس وكسروان،
وبارك كل قرية ومدينة في لبنان.
واجعل من تاريخنا جسراً نعبر عليه نحو مستقبل أفضل،
حيث لا ينتصر فريق على فريق،
بل ينتصر الإنسان على الخوف،
وتنتصر المحبة على الانقسام.
آمين.