محو الرفاق: النفي الأبدي تروتسكي وستالين
فراس حمدون
- في تمام الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة من ليلة الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1917، شقّ صمتَ بتروغراد الروسية "لينينغراد سابقا" دويُّ قذيفةٍ رمزية أطلقها الطراد الحربي الشهير "أورورا" نحو قصر الشتاء؛ ليعلن التاريخُ ولادة ثورة تحت عنوان:
«ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى».
لم تكن تلك الطلقة مجرد إشارة لاقتحام معاقل السلطة، بل كانت الزلزال البصري والصوتي الذي أطلق قطار أول دولة اشتراكية في العالم.
و تحولت الأفكار الثورية إلى فيالق مسلحة تجتاح قصر الشتاء ليتشارك الرفاق نشوة إسقاط "الحكومة البرجوازية المؤقتة"، مدفوعين بإيمان مطلق بأنهم لا يغيرون بلداً فحسب، بل يكسرون حتمية التاريخ الرأسمالي لبناء يوتوبيا أممية لا طبقات فيها.
لكن المفارقة التراجيدية في الثورة البلشفية تكمن في لحظة غياب "العرّاب" لينين بعدها بفترة قصيرة من ذلك.
حينها، تجد الثورة نفسها أمام خيارين قاتلين:
إما الاندفاع العاطفي وراء أفكار نظرية حالمة تعبر القارات،
أو الانكفاء البراغماتي الصارم داخل حدود الدولة لحمايتها ببناء جهاز بيروقراطي صلب ومرعب يطحن الإنسان ليحمي الكيان. و هنا برز النقيضان:
- ليون تروتسكي (المنظر المسلح والخطيب الحالم)
يجسد ليون تروتسكي العقل المثقف، والخطيب المفوّه، ومنظر "الثورة الدائمة". كان هو "المنظّر المسلح" الذي أسس الجيش الأحمر من العدم، وقاده بقطاره المدرّع عبر جبهات الحرب الأهلية الطاحنة ليحمي الثورة الوليدة.
تروتسكي كان يرى الشيوعية كحالة مدٍّ أممي لا يمكن أن تحيا في جزيرة معزولة؛ بالنسبة له، إن لم تشعل الثورة حرائق البروليتاريا في أوروبا والعالم، فإنها ستموت مخنوقة في مهدها.
كان تروتسكي يتعامل مع الثورة كقصيدة شعرية أو جدلية فلسفية تحتاج إلى نقاء الفكرة واستمرار الحركة.
ترفع بنرجسية المثقف عن صغائر الدسائس الحزبية، واثقاً من أن تاريخه النضالي وقدراته البلاغية كفيلان بمنحه الشرعية والخلود.
غير أنه نسي أن خطابات المقاهي والمنابر لا تصمد طويلاً أمام من يمسك بمفاتيح الأبواب الخلفية.
فكانت نهايته طريداً مهدور الدم، اغتيل بغدر فأسِ جليدٍ غُرست في رأسه بغربته، ليموت غريباً بين كتبه ونظرياته المفجوعة.
- جوزيف ستالين (الرجل الفولاذي)
على النقيض الصامت، يقبع ابن حواري جورجيا، الرجل الذي أطلق على نفسه اسم "ستالين" (الرجل الفولاذي).
لم يكن خطيباً تهتز له المدرجات كتروتسكي، بل كان كادراً صامتاً، يعمل في الظلام كأمين عام للحزب، وهو المنصب الذي رآه الجميع عملاً إدارياً مملاً،
ورآه هو شبكة عنكبوتية لإحكام القبضة على مفاصل الدولة.
طرح ستالين أطروحته البراغماتية الصادمة: "الاشتراكية في بلد واحد".
سخر من أحلام تروتسكي العالمية، ودعا إلى الانكفاء لبناء الاتحاد السوفياتي كقلعة صناعية وعسكرية لا تقهر بالحديد والنار. بالنسبة له، الثورة ليست فكرة طائرة،
بل هي "دولة" تحتاج إلى طاعة عمياء، وتنظيم صارم، وإبادة كاملة لكل من يشكك في حكمه.
ورغم جبروته، كانت نهايته مأساوية الرعب؛ حيث مات وحيداً صريع سكتة دماغية على أرض غرفته، والجميع يخشى فتح بابه، ليفارق الحياة منبوذاً بخوفه وسط قصرٍ محصن.
الانشطار: عندما تُمحى الوجوه من الصور
لم يكن الصراع بين الرجلين سياسياً فحسب، بل كان إلغاءً وجودياً.
باستغلاله للآلة الحزبية، تمكن ستالين من عزل تروتسكي تدريجياً، وجرده من مناصبه، ثم نفاه خارج البلاد عام 1929.
لكن هوس ستالين بمحو رفيقه القديم لم يتوقف عند طرده؛ بل أمر المؤرخين والرسامين بمحو تروتسكي من الصور الرسمية للثورة البلشفية، وكأن الرجل لم يولد قط.
كان تروتسكي يمثل "شبح الحقيقة المتجول" الذي يؤرق شرعية الطاغية.
وفي أغسطس 1940، في منفاه القاصي بالمكسيك، وصلت يد ستالين الطويلة عبر عميل سوفياتي غرس فأس جليد في رأس تروتسكي وهو يكتب مقالاً ثورياً، لتسيل دماؤه فوق أوراقه ونظرياته.
العِبْرَةُ فِي النِّهَايَة: تراجيديا الصنم والطريد
في نهاية المطاف، يسدل التاريخ الستار على أضخم تجربة شمولية في القرن العشرين ليكشف المفارقة العارية:
لقد ربح ستالين "الجغرافيا والطبيعة الفولاذية"؛ بنى إمبراطورية نووية مرعبة، وهزم النازية، وصار صنماً تُنحنَى له الرؤوس،
لكنه حول الحلم الإنساني بالعدالة إلى مسلخ دائم، ومات وحيداً مرعوباً في غرفته، تاركاً إرثاً يترنح تحت لعنات الضحايا.
بينما خسر تروتسكي معركة الأرض والجسد، ومات غريباً مطارداً، لكنه احتفظ بنقاء خطابه الفكري، ليظل رمزاً مأساوياً للثائر الذي طحنته البيروقراطية التي ساهم هو نفسه في وضع لبناتها الأولى.
لقد أثبت صراعهما حقيقة تاريخية مريرة: أن الثورات حين تتخلى عن أجنحتها الإنسانية لتلبس دروع البيروقراطية، لا تكتفي بقطع رؤوس أعدائها..
بل تلتهم عقول صانعيها، وتمحو ملامحهم من ذاكرة الصور وتاريخ البشر.