قراءة نقدية ومقارنة في كتاب «العرب من وجهة نظر يابانية» للمؤلف نوبوأكي نوتوهارا 2 من 2

مروان حبش

يبقى الكتاب وثيقة مهمة لأنه يعكس شعور العرب أنفسهم. بخلل مؤسساتهم. ويضع إصبعه على قضايا لم تُحل بعد "الحرية، العدالة، السلطة، الوعي العام". يعرض مرايا صادمة. ويقدّم رؤية من ثقافة آسيوية ناجحة لا من ثقافة غربية. ويمكن تصنيفه بأنه ليس استشراقاً بالمعنى الـ "إدواردي"، لأنه لا يخدم مشروع قوة غربية. وهو ليس بحثاً أنثروبولوجياً علمياً. وليس خطاب كراهية كما عند هنتنغتون. وليس نقداً ذاتياً عربياً صريحاً كما عند جلال أمين أو عبد الله العروي. بل هو وثيقة ثقافية هجينة تجمع بين الشهادة الشخصية. الانطباع الثقافي. المقارنة الحضارية. والنقد الاجتماعي.
الكتاب ليس دراسة أكاديمية بقدر ما هو مقال طويل في النقد الثقافي والاجتماعي، يضع أمام القارئ العربي مرآة مختلفة قد تكون قاسية ولكنها صادقة في كثير من ملامحها. وهو دعوة إلى تحسين العلاقة بالمؤسسات، واحترام الفضاء العام، وتوسيع مساحة الحرية، وإعادة بناء الفردية المسؤولة.
تكمن قيمة الكتاب الأساسية بأنه يكشف كيف يرانا "آخر غير غربي"، وكيف يمكن للتجارب الآسيوية الناجحة أن تكون مرجعاً للنهضة العربية. وهذا ما جعله شائعاً، لأنه بسيط، وصادم، وقابل للتداول. لكن محدوديته أنه لا يفرّق بين الدول العربية ولا بين المجتمعات، ولا بين البنى السياسية، ما يجعله أحياناً يقع في تبسيط مخلّ.
إن مقارنته بالكتب الأخرى تكشف التالي: أمام عمق إدوار سعيد، يبدو نوتوهارا سطحياً أحياناً. أمام هجومية هنتنغتون، يبدو نوتوهارا إنسانياً. أمام نقد جلال أمين، يبدو نوتوهارا غير مطّلع على التفاصيل التاريخية والاجتماعية. ومع ذلك، يبقى كتابه منبّهاً ضرورياً يرى العرب من زاوية غير مألوفة، وهو جزء من مرآة واسعة يحتاجها أي مشروع نهضوي.
إن كتاب "العرب: وجهة نظر يابانية" لا يقدّم حقائق علمية، بقدر ما يقدّم انطباعات ثقافية صادمة، بعضها يلامس الواقع جزئياً، وبعضها يعمّم أو يختزل ظواهر معقّدة.
يكتب المؤلف من خلفية ثقافية يابانية تختلف جذرياً عن الثقافة العربية. يعتمد على الملاحظة والانطباع أكثر من البحث السوسيولوجي المنهجي. يتعامل أحياناً مع “العرب” ككتلة واحدة، مع أن الواقع العربي متنوع جداً (بلدان، مجتمعات، أجيال، مدن وأرياف). ومع ذلك، فخطورة الكتاب ليست في كونه "خاطئاً"، بل في أنه يقول أشياء محرجة يفضّل كثيرون تجاهلها.
يورد المؤلف ملاحظات منها:
1=الدين حاضر بقوة لكنه لم يمنع الفساد.
إن التدين في العالم العربي غالباً، شعائري (طقوس، مظاهر) أكثر منه قيمي-مؤسسي (نزاهة، محاسبة، قانون).
المشكلة ليست في الدين، بل في فصله عن السلوك العام، وتوظيفه سياسياً أو اجتماعيا.ً هذا التناقض يلاحظه كثير من المفكرين العرب أنفسهم (مالك بن نبي، الجابري، العروي ...). والمؤلف لم يقل إن الدين سبب الفساد، بل لاحظ فشل التدين في ضبطه.
2- الحكومة تسخر من الناس ولا تعاملهم بجدية
هذا توصيف يقترب من واقع كثير من الدول العربية، لا كلها. في دول عديدة، يشعر المواطن أن الدولة خصم لا شريك. الخطاب الرسمي مليء بالشعارات الفارغة. السخرية هنا قد لا تكون ضحكاً حرفياً، بل:"استخفاف. بيروقراطية مهينة. غياب المحاسبة". وهذا يولّد علاقة عدائية بين المواطن والدولة.
3= توتر شديد ونظرات عدوانية في الشوارع. في مدن عربية كثيرة: "ضغط اقتصادي. قمع سياسي. ازدحام". وهذا يخلق توتراً، وعصبية، واستعداداً للانفجار. لكن هذا لا ينطبق على كل البيئات، وهناك مجتمعات عربية دافئة ومتعاونة اجتماعياً.
4-استعادة الماضي بدل إنتاج معرفة جديدة، فإن الخطاب العربي العام يمجّد الماضي. يستعيد "أمجاداً" أكثر مما ينتج معرفة. التعليم تلقيني قائم على الحفظ لا النقد. الابتكار العلمي ضعيف مقارنة بالإمكانات البشرية.
5-تخريب الممتلكات العامة لأنها تُعد ممتلكات الحكومة. غياب مفهوم "الملكية العامة". الدولة تُرى ككيان غريب أو معادٍ. المواطن لا يشعر أن "الشارع، المدرسة، المستشفى..." ملكه. وهذه نتيجة تاريخ طويل من الاستبداد. غياب المشاركة. وضعف العقد الاجتماعي.
6- الإكثار من استخدام كلمة "الديمقراطية". الديمقراطية تُستخدم كشعار لا كممارسة. الكلمة حاضرة. القيم (المحاسبة، تداول السلطة، احترام القانون) غائبة. وهذا ليس خاصاً بالعرب، لكنه أكثر وضوحاً عندهم.
7-الشرف والعار بدل الثقة. وهو توصيف أنثروبولوجي معروف. كثير من المجتمعات العربية تقوم على ثقافة الشرف لا على ثقافة المؤسسات. الثقة شخصية (أقارب، قبيلة) لا قانونية (عقد، نظام). هذا يفسّر "الواسطة. المحسوبية. وضعف دولة القانون". تعرَّضَ العرب للعنصرية ويمارسونها ضد بعضهم، وهو أمر مؤلم لكنه واقعي، "عنصرية. عرقية. مناطقية. طائفية. طبقية". إن تاريخ الاستعمار لا يمنع إعادة إنتاج القهر داخلياً، هذه ظاهرة إنسانية عامة، لكنها واضحة في مجتمعات مأزومة. إن تحليلاً مركّباً يجمع بين التاريخ وعلم النفس الاجتماعي، ضروريٌ لفهم الجذور العميقة لهذه الظواهر.
أولاً: التحليل التاريخي ،كيف تكوّن هذا الواقع؟
1-انقطاع المسار الحضاري. عرف التاريخ العربي ذروة حضارية (القرون 8–13)، ثم انقطاعاً طويلاً في التطور العلمي والمؤسسي. هذا الانقطاع لم يكن مجرد تراجع، بل تجمّد في آليات إنتاج المعرفة. تحوّل من الإبداع إلى الشرح والتعليق والتقليد. وعندما يتوقف مجتمع عن إنتاج المعرفة، يبدأ بالعيش على "رأسمال رمزي قديم "، على الماضي.
2-الاستبداد المزمن قبل الاستعمار وبعده. بعكس أوروبا التي خاضت صراعاً طويلاً مع السلطة (كنيسة، ملوك ...). وأنتجت عقداً اجتماعياً تدريجياً. عرف العالم العربي دولة مركزية مستبدة، ومجتمع ضعيف. الحاكم فوق القانون. والطاعة أهم من المشاركة. ثم جاء الاستعمار فلم يدمّر الاستبداد، بل أعاد تدويره بشكل حديث. فكان الخروج بدولة حديثة شكلاً، استبدادية جوهراً.
3-الدولة كغنيمة لا كمؤسسة. تاريخياً لم تكن الدولة في الوعي الجمعي "ملك الجميع"، بل ملك السلطان أو النخبة الحاكمة. لذلك لم تتشكل فكرة "الممتلكات العامة" ولم يتكوّن شعور الانتماء المؤسسي. وهذا يفسّر تخريب المال العام والاستخفاف بالقانون.
4-غياب التراكم المؤسسي. في اليابان وأوروبا، كل جيل يضيف لبنة فوق السابقة. بينما في العالم العربي: "الانقلابات. الثورات الفاشلة. تغيّر الأنظمة المفاجئ". كل هذا يمنع التراكم، ويعيد المجتمع دائماً إلى نقطة الصفر.
ثانياً: التحليل النفسي الاجتماعي (كيف يفكّر الفرد)؟
1- الشخصية المقهورة. الإنسان العربي نشأ في بيئة قمع سياسي. قمع أسري. قمع مدرسي. فكانت النتيجة، كبتاً طويلاً. غضباً مكبوتاً. عدوانية غير مباشرة. تظهر في الشارع، في القيادة. وفي العلاقات اليومية.
2- الازدواجية النفسية، الفرد العربي يعيش انفصاماً بين ما يؤمن به (قيم دينية عالية)، وما يفعله (سلوك يومي). سبب ذلك، غياب العدالة. انعدام الجدوى الأخلاقية. وعندما لا تُكافأ الفضيلة، تتحوّل إلى خطاب فقط.
3-ثقافة الشرف بدل الثقة. في المجتمعات غير المستقرة يضعف القانون. المستقبل غير مضمون. فيعوّض الناس ذلك، بالسمعة. الشرف. العائلة. القبيلة. وهذا يفسّر الحساسية المفرطة. العنف الرمزي
والخوف من "الفضيحة" أكثر من الخطأ ذاته.
4-العيش في زمن دائري لا خطّي. يميّز علم النفس الاجتماعي بين مجتمعات ترى الزمن كمسار تقدّم.
ومجتمعات تراه كتكرار. في الوعي العربي، الماضي مثالي. الحاضر منحط. المستقبل غامض. فيصبح استدعاء الماضي، ملجأ نفسياً لا مشروعاً معرفياً.
5-إسقاط القهر إلى الداخل. لا يستطيع الإنسان المقهور مواجهة السلطة فيبحث عن "أضعف منه".
فتظهر العنصرية، الطائفية، التنمّر الاجتماعي. وهذا ليس "طبعاً عربياً"، بل آلية نفسية معروفة.
ثالثاً: دمج التاريخ وعلم النفس (لماذا تستمر الظواهر؟)
حلقة مغلقة: تاريخ استبدادي. دولة لا تُحترم. فرد لا يثق بالمؤسسات. انسحاب إلى الدين أو القبيلة. ضعف القانون. مزيد من الاستبداد. وكل عنصر يعيد إنتاج الآخر.
إن هذه الظواهر، ليست جينية. ولا دينية. ولا قدراً محتوماً. بل هي نتاج تاريخ طويل من الانقطاع. وتكيّف نفسي مع القهر وعدم اليقين. ولهذا، لا تُحلّ بالمواعظ، ولا بالشعارات. بل، بـبناء دولة مواطنة. مؤسسات عادلة. قانون يُطبّق على الجميع. تعليم نقدي. وأمل واقعي بالمستقبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)لقد اجتمعت وبعض الأصدقاء، ولأكثر من مرة مع مؤلف الكتاب في المكتبة الوطنية "الأسد" بدمشق