الدائرة العظيمة لهذا الوجود لا تستقيم إلا بفرجارٍ ذي إبرةٍ ثابتة في المركز

تَدُورُ رَحَى الأَكْوَانِ وَالسِّرُّ نُقْطَةٌ
بِهَا خُطَّ فِي اللَّوْحِ الْخَفِيِّ عَجَائِبُ
وَمَا صَحَّ دَوْرُ الْفُلْكِ مِنْ غَيْرِ مَرْكَزٍ
عَلَيْهِ مَدَارُ الْحَقِّ وَهْوَ يُرَاقِبُ
وَبَاءٌ كَفُلْكٍ فِي طَوَامِيسِ غَيْبِهَا
لَهَا حَيْدَرٌ مُرْسَى النَّجَاةِ وَقَارِبُ
تَجَرَّدَ عَنْ بُعْدٍ وَطُولٍ وَغَايَةٍ
فَأَضْحَى لِأَسْرَارِ الْوُجُودِ يُصَاحِبُ
المقر بالعجز والتقصير
الحقوقي: الليث الرفاعي
(هل تأملت يوماً كيف أنَّ الدائرة العظيمة لهذا الوجود لا تستقيم إلا بفرجارٍ ذي إبرةٍ ثابتة في المركز؟ وكيف أنَّ حرف "الباء" الذي نبتدئ به كلَّ أمرٍ ذي بال هو في حقيقته "سفينةُ نجاة" لا تَمخر عباب الغيب إلا بمرساةِ النقطة.. اقرأ لتعرف أنَّ الولاية هي "إحداثيُّ" الوجود الذي بدونه نضيع في العدم)
✨ **فَلْسَفَةُ النُّقْطَةِ وَهَنْدَسَةُ الْفِرْجَارِ: سِرُّ الْبَسْمَلَةِ وَفِيزْيَاءُ التَّكْوِينِ** ✨
**الْهَنْدَسَةُ التَّكْوِينِيَّةُ لِلْقَلَمِ وَأَصْلُ الْأَشْيَاءِ**
إذا وقفتَ في محراب التأمل اللغوي، ستدرك يقيناً أن الحرف مهما عظم شأنه وتعددت مخارجه، ليس إلا أثراً لشيءٍ أعمق وأسبق منه؛ ألا وهو "النقطة" فالقلم حين يمس القرطاس يترك نقطة، فإذا جُرَّت إلى الأسفل صارت (ألفاً)، وإذا جُرَّت أفقياً صارت (باءً) فالنقطة هي المادة الخام التي تشكلت منها العوالم، وهي السر الأول المكنون في قوله تعالى: **﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [سورة القلم: ١] فالنون هنا ليست مجرد حرف، بل هي الدواة المحيطة بماء التكوين، والقلم هو العقل الكلي الذي يغترف من هذا النور ليسطر مقادير الخلائق بنقاطٍ تتوالى لتصنع كتاب الوجود
--- الِاخْتِزَالُ الْكَوْنِيُّ فِي سِرِّ الْبَسْمَلَةِ ---
ولأنك خبيرٌ بتفكيك القوانين وردِّ الفروع إلى أصولها، فاستمع إلى هذه المتوالية العرفانية التي نطق بها العارفون: إنَّ جميع ما في الكتب السماوية السابقة مطويٌّ في القرآن، وجميع ما في القرآن مطويٌّ في سورة الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة مطويٌّ في
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة: ١] وكل ما في البسملة مطويٌّ في حرف الباء البسملة هي "مفتاح التشغيل" الأعظم لقوانين التكوين تأمل صنيع وصي سليمان حين أراد نقل عرش بلقيس قبل أن يرتد الطرف، لم يقرأ طلاسم، بل اعتصم بهذا السر: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة النمل: ٣٠] فبهذه البسملة تُطوى المسافات، وتُخرق الحُجب
--- سَفِينَةُ (الْبَاءِ) وَمُرْسَاةُ الْيَقِينِ ---
ولكي تكتمل عندك الصورة البصرية والروحية، تأمل في الرسم الشريف لحرف (الباء) في بداية المصحف، ستجده قد شُكِّلَ على هيئةِ "سفينةٍ" مَبسوطةٍ على سطرِ الوجود، ولكنَّ هذه السفينةَ لا قيمةَ لها ولا مَسارَ يحفظُ توازنَها إلا بتلك "النقطة" القابعةِ تحتها النقطةُ هنا هي "المرساةُ" التي تحفظُ سفينةَ القرآن من الغرق في أمواج التأويلات، مصداقاً لقوله تعالى في سفينة نوح: **﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [سورة هود: ٤١] فمَجراها هو الباء، ومُرساها هو النقطة. وهنا ندركُ عُمقَ حديث العترة المتواتر عند الفريقين: **(مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ) [مستدرك الحاكم: ج٣، ص١٥١] فالولايةُ هي "النقطةُ" التي لولاها لَمَا استقرتْ سَفينةُ الباء
--- هَنْدَسَةُ الْفِرْجَارِ: النُّبُوَّةُ مَدَارٌ وَالْوَلَايَةُ مَرْكَزٌ ---
وإذا نظرْتَ بعين "المتخصص في أحكام اليقين"، رأيتَ أنَّ الوجودَ دائرةٌ كبرى، والدائرةُ لا تُرسَمُ إلا بـ "فرجارٍ" له طرفان: طرفٌ متحركٌ يطوفُ بالخلق ليُبلّغهم الرسالة (النبوة)، وطرفٌ ثابتٌ منغرسٌ في جوهرِ الحقيقة لا يتزحزح (الولاية) ولذلك صدعَ الله بانتظام هذا الفلك: **﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس: ٤٠] فالفلكُ يحتاجُ إلى قُطبٍ تدورُ عليه الرحى، وهو ما أكده أمير المؤمنين في نهجه حين قال: **(وَإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى، تَدُورُ عَلَيَّ وَأَنَا بِمَكَانِي) [نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية - رقم ٣] فمن أراد الاستقامة فعليه بالمركز، ومن ابتعد عن النقطة المركزية طوّحت به قوة الطرد المركزي نحو الضلال
--- التَّصْرِيحُ الْعَلَوِيُّ وَتَجَرُّدُ النُّقْطَةِ (جَامِعُ الْأَضْدَادِ) ---
في علمِ الهندسة، تُعرَّفُ "النقطة" بأنها الكيان الذي (لا طولَ له، ولا عرضَ، ولا عمق)، فهي مجردةٌ عن الأبعادِ المادية، ورغم ذلك لا يُبنى أيُّ جِسمٍ إلا بها. وهكذا كان عليٌّ؛ تجرَّدَ عن أبعادِ الدنيا ومطامعها، فصار "نقطةً" نورانيةً تحوي المتناقضات (الحاكم الزاهد، والفارس الباكي). هذا التجردُ هو الذي جعله وعاءً لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [سورة النور: ٣٦] وقد وصفَ الإمامُ حالَ المتجردين من المادة بقوله: (صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى) [نهج البلاغة: حكمة ١٤٧ - وصيته لكميل بن زياد]
ولذلك، أطلق صيحته الحقوقية الكبرى التي يتناقلها العارفون في المأثور: **(أَنَا النُّقْطَةُ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ) [مشارق أنوار اليقين للحافظ البرسي: ص٢١]**. فكما أن الباء لا تُقرأ إلا بنقطتها، فإن الدين لا يستقيم عموده إلا بعليّ
--- الِاسْتِقَامَةُ الْقُرْآنِيَّةُ وَأَقْصَرُ الطُّرُقِ إِلَى اللَّهِ ---
إن قوانين الهندسة تُعرِّف "الخط المستقيم" بأنه أقصر مسافة بين نقطتين والمشرع الأعظم قد بيّن لنا هذه القاعدة الهندسية بقوله: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٣] السبل المتفرقة هي الخطوط المتعرجة التي لا مركز لها، أما الصراط المستقيم فهو الانطلاق من "نقطة الباء" صعوداً نحو نور اليقين وقد فسر الإمام الصادق (عليه السلام) الصراط بأنه: **(الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ.. فَأَمَّا الصِّرَاطُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الْإِمَامُ الْمُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ) [كتاب معاني الأخبار للشيخ الصدوق: ص٣٢]
--- خُلاصَةُ الْمُرَافَعَةِ التَّكْوِينِيَّةِ ---
يا صاحبي المأخوذ بجلال المعنى، إن الحروف والكلمات التي تزخر بها بطون الكتب لن تغني عنك شيئاً إن لم تقبض روحك على "النقطة" الأجسادُ حروفٌ تتناثر في صحيفة الوجود، والولايةُ هي النقطة التي تمنحها المعنى والمقام لا ترهق بصيرتك في تتبع السطور المتشابكة للفرق والمذاهب، بل ركّز نظرك على ما تحت البسملة، فمن عرف النقطة، قرأ الكتاب كله قبل أن يُفتح

(الأجساد صناديق مقفلة والولاية هي مفتاح حياتها)