د. محمد شفيق البيطار غياب شطر الروح

اسماعيل مروة

الأصدقاء كثر، والنبلاء كثر، ولم أكن في حياتي بغير الأصدقاء الذين رسموا معي معالم الحياة، وفكرت فيما لو أنني أردت أن أتحدث عن كل الأصدقاء فإن الأمر سيطول، لذلك بدأت الصباح بشطر الروح الذي أحبه وأخاف عليه، وأدعو بالحفظ له د. حسان فلاح أوغلي، وأختم اليوم والحديث عن الأصدقاء (أقصد أصدقاء رحلة العلم) بشطر الروح الذي غادرني وأخذ معه الكثير من الأشياء الجميلة أخي وصديق العمر د. محمد شفيق البيطار، الرجل العالم الثقة، النقي والتقي الذي كان..
محمد شفيق غير الكثير في الحياة، فبعد أن دخلت كلية الآداب متأثرا بالأفلام المصرية، خاصة محمود ياسين رحمه الله، والحياة الشللية الواسعة، ظهر شفيق بهدوئه واجتهاده ومحبته، فخرجت من ضفة إلى ضفة، وصرنا لصيقين لانفترق، في الجامعة، وفي بيته، وفي بيتي، وفي رعاية د. علي أبوزيد في بيته، أو في رعاية د. محمد رضوان الداية في بيته ومكتبته، أو مكتبات دمشق نبحث ونقتني حسب إمكاناتنا، وعشنا الفرح معا، وعشنا الألم معا، وتخرجنا وافترقنا كأننا لم نفترق، والتقينا كأننا اليوم التقينا، وخلال خمسة عشر عاما صار لقاؤنا دائما على فنجان قهوة وتبادل الآراء، وكان اللقاء في مكتبي في صحيفة (الوطن)، وفي ٢٠١٤ انتقلت إلى ملاك كلية الآداب، وصار لقاؤنا يوميا، وحين صار رئيس قسم اللغة العربية، صار لقاؤنا يوميا من السابعة والنصف صباحا على قهوة سريعة يعدها بنفسه، وربما كان الإداري الوحيد الذي يلتزم بالدوام بهذه الطريق ليخدم طلبته.
ثم صرنا في مكتب واحد حسب رغبته وعلى نافذة واحدة نستشرف الغد، وأزعم أن هذه الملازمة لعقد كامل أظهرت ما كنت أترقبه من شفيق..
وعندما تعرضت لانفصال الشبكية قررت أن آخذ إجازة، لكنه والأخ الدكتور حسن الأحمد حفظه الله كان لهما رأي آخر.. صار الدكتور حسن يتفضل يوم محاضراتي بأخذي من البيت وإيصالي إلى القاعة لأعطي المحاضرة من ذاكرتي، وبعد الدوام يتولى هو أو شفيق إعادتي إلى البيت، ود. حسن بنيت علاقتي الأخوية معه بمحبة شفيق وبإشارة منه للدكتور حسن الذي لايعرفني من قبل، وفي مرات كان د. حسن لايتخلف عني على الرغم من التزاماته الأسرية، وشفيق لم يتخلف مع التزامه بدوام ابنتيه الصيدلانيتين الدكتورتين.
واستمرت العلاقة الوطيدة بأخوي الدكتورين، وحين كنت أعد ندوات أدبية تفضل الصديقان بمشاركتي ورفع سوية الندوات بأبحاث أغنت الكتب التي صدرت، وشاركا بأربع ندوات كرمى لصداقتنا من أصل ٤٣ ندوة، وكلاهما لم يكن ليشارك لولا الثقة التي عشناها معا..
ومع شفيق كانت آخر رحلة إلى حماة للمشاركة في ندوة مع الصديق الدكتور راتب سكر عن شاعر حماة وجيه البارودي..
واستقلت في الجامعة في آذار ٢٠٢٣ لأنني لم أقبل بوضع دون ما أستحق، وشفيق كان رافضا لمبدأ الاستقالة.
وصار لقاؤنا شبه اليومي صباحا في الصحيفة في طريق عمله، وحين أردت طباعة روايتي (لأنه كان) تعذر ذلك لأسباب رقابية، تجاوزتها بحب الأصدقاء، الذين منحوني موافقة على مسؤوليتهم، لهم الشكر.
وطبعت منها عددا محددا طباعة خاصة، وفي توقيعها طلبت من شفيق وحسن أن يتحدثا، فقدم أخي د. حسن قراءة ممتعة، أما شفيق فألقى قصيدة تصور علاقتنا في هذه المناسبة..
وبعد عودتي من معرض الكتاب في الشارقة، زارني شفيق يوم الأربعاء تحدثنا طويلا، وأطلعني على آخر مايقوم به لخدمة كتاب لواحد من أصدقائه وقد صار مغيبا! ليخرج أثره بما يعود بالفائدة المادية لأسرته من بعده، وكان شفيق يعمل بلا مقابل! يومها قال لي: يبدو عليك التعب، وقلت له العبارة نفسها، يوم السبت وصلني خبر نقله للمشفى، ودخلنا دوامة الغيبوبة والتحاليل والجراحة، وكان الفقد المر الذي أخذ معه شطر روحي، وشكرت الله أنني استقلت فلن أقدر على دخول القسم أو القاعة وشفيق ليس موجودا، يغضب همسا، ويصرخ ابتساما..
ولعلي كنت محظوظا بأن باشرت كتابا عنه، أنجزه وأتمه وتكفله وجعله أكثر سعة وعمومية بمحبته ومعارفه بكل الحب الصديق الدكتور مقبل التام الأحمدي، فكان تكريما لائقا من د. مقبل وكوكبة الفضلاء.
وقد علمت منه أنه يعمل لإصدار آخر أعماله (حرب البسوس) الكتاب الذي كان يتوق إليه شفيق، وقد قام الدكتور مقبل على الأمر أفضل مايكون، وقد التقيته في دمشق وأدركت مقدار ما يحمله للدكتور شفيق، وأخبرني بما يقوم به لخدمة الكتاب وذكرى د.شفيق.
أختم بالحديث عن الأصدقاء بصديق غادرني ولم يفعل، وبصديقين أرجو أن يبقيا بخير، ولوفي مقبل على المحبة.
أخي شفيق تفاصيلك أمامي لاتفارقني، وصدقك يرهق من عرفك، ولينك قد يضر بمن يراه، وصلابتك قد يساء فهمها..
أرأيتم كم أنا محظوظ بالنبلاء؟ ليس لي من خصوصية إلا ما أخذته منهم.. وستبقى ترانيم بوحك حتى أغادر يا صديقي وأخي.
 (القصيدة التي كتبها شفيق عن محبتنا، وكتبها بخطه الرائع)