الصديق مروان ناصح عمق وأصالة
اسماعيل مروة
هناك أصدقاء تتأخر في معرفتهم، وقد تتأخر كثيرا، ولكنهم يستطيعون اختصار الزمن.
كنت أسمع اسمه في الإذاعة، وأقرؤه على الشاشة، وأعرف أنه أديب وشاعر من شعراء السبعينيات، ولكنني لم ألتق به أبدا، وبعد عودتي من رحلة العمل في الإمارات بدأت أقتنص كل فرصة للعمل، وذات يوم تقدم واحد من الأصدقاء ليعرفني به: الأستاذ مروان ناصح، ومن اللقاء الأول لم يعد ذاك موجودا، وصارت علاقتي شبه اليومية لسنوات مع الأستاذ مروان، خاصة في أثناء إدارته للفضائية السورية، وقد أعطاني عدة فرص، وبعضها لم يكتمل،وكنا نلتقي يوميا ونرسم أحلاما، ونفضي بالأسرار، نتحدث عن حبنا، ونتناول غضبنا، وظهر التقارب الروحاني والفكري والحياتي بين الأستاذ مروان وبيني، إن لم أسأل يسأل هو، وإن تأخرت عنه تفقدني، ووصل الأمر إلى أننا اخترنا سيارتينا من الموديل نفسه والسنة نفسها.. عشنا أحلاما وخيبات، وشهدت شجاعته في المواجهة والرفض دون اكتراث للنتائج، وكم من شخصية شهدت مواجهته معها.. أما في العمل فقد كان صاحب رأي ورؤية، وكل ما يقدم له من أفكار كان يناقش، ويبين الأصل لو كانت الأفكار ليست أصيلة.
في كل يوم كنت أتعلم منه وهو الأكبر عمرا وقدرا وخبرة، لكنه برقي روحه وبفكره أعطاني الكثير كصديق، ولم يشعرني يوما بفارق الخبرة والعمر، وكان يعلم أنني في كل جلسة عندما يلتصق رأسانا في نقاش أستزيد من علمه وخبرته..
هو الشاعر الذي له مكانته في جيله، لكنه زهد بالشعر وطبعه أو بإعادة المطبوع.. وكلما طلبت منه شعره كان يرد ساخرا: مابينقصك شيء لو لم تقرأ!
هو سيد في الصحافة المكتوبة، وله سمعته العربية وقد كتب في كبريات الدوريات العربية.
هو المحاور القارئ والعميق الذي يملك أرشيفا من الحوارات والعلاقات الأدبية على المستوى العربي.
هو صاحب الفكر الذي تجول في كل الآفاق، وبعد التجارب ترن ضحكته المميزة ، وكأنها تردد عبارات لايريد قولها.
هو البرامجي والوثائقي الذي له مئات الساعات الموثقة والتي يعجز عنها فريق عمل. ومرة وضع بين يدي خطة لبرنامج وثائقي فرأيت الصعوبة بعينها، لكنه ينجز ببساطة لأنه واحد متفرد وللوثائقي عنده قدر جليل.
وهو الدرامي الحاذق، أشرف على عدد من الأعمال، ودوره يتجاوز الإشراف، ومامن عمل أشرف عليه إلا أضاف عليه وجعله أعلى مكانة، وقد حضرت الكثير من مناقشاته مع الكتاب والمنتج، وكانوا ينصاعون لخبرته ورؤيته، فهو الشاعر والأديب والمتابع والمراقب والخبير.
وهو الذاكرة التي تنسى، والعين المتابعة التي لاتنسى التفاصيل كما يبدو من سلسلته (الزمن الجميل) التي ينشرها، وهي ذاكرة أخلاق وقيم ووطن.
وهو الصديق الكبير للكبار، فكان الراحل عبد الرحمن آل رشي على موعد أسبوعي، يتفرغ للجلوس والنقاش مع الأستاذ مروان، وكان كثير الإشادة به، وقليلون هم الذين يروقون للفنان الكبير الراحل، وبفضل مروان بنيت لي صداقة مع عبد الرحمن آل رشي، وصرت أزوره في بيته مرات إلى ما قبل رحيله، وكان الفنان رفيق سبيعي من أصدقائه واجتمعنا مرات عديدة، وأطرف الجلسات كانت باجتماع عبد الرحمن ورفيق معا عند مروان..
مروان ناصح الصديق، ومروان الأستاذ والأديب، ومروان الأخ والحبيب، في سنوات قليلة اختصرنا الزمن من حارتنا إلى الأصيل إلى أصالة الشرق إلى سيلينا وكل مكان رائع وكأننا كنا نودع بهاء الحياة.
تقاعد مروان، التقينا، بدأت بوادر الحراك، تبادلنا القلق والحزن، التقينا في بيته، تودعنا، وغادر مروان، ومنذ ذلك اليوم أشتاقه كثيرا، وعلى الرغم من السكر والحمية أشتاق ل الكريب والشوكولا والبوظة معا، بعد غداء شآمي، ولنظرة عينيه من تحت نظارته، ثم ننفجر ضحكا حين يأتي شخص وضيع ليسعرض بطولاته، نمارس الاستماع تم يرحل وهو يظن أنه أقنعنا!
ذكرت طرفا من محبتك في سيرتي المطبوعة، لكنني من فرط الحاجة للصدق في هذا الزمن أبثك لحظات مختلفة بكل لون.
آه يا صديقي وأخي كم اشتاقت الشام لصدى ضحكتك، وكم كنت حاضرا على الدوام..