السلطة الانتقالية في سياق ما بعد الصراع

مروان حبش

في سياق ما بعد الصراع، دورها "إدارة المرحلة" وليس "إعادة تشكيل الدولة"
تُعدُّ السلطة الانتقالية من المفاهيم الحيوية في سياق التحولات السياسية التي تشهدها الدول بعد صراعات طويلة ومعقدة، وإحدى أكثر المراحل حساسيةً وتعقيداً في تاريخ الدول الخارجة من هذه الصراعات، خاصة حين يكون الصراع ذا طابع داخلي بين الشعب والسلطة القائمة. فهي ليست مجرد سلطة بديلة، بل يجب أن تعكس إرادة الشعب، وتمثل جسراً بين النظام القديم الذي فقد شرعيته والنظام الجديد الذي يسعى إلى بناء مؤسسات ديمقراطية، وهي إطار مؤقت يهدف إلى إعادة بناء المجالين السياسي والمؤسسي، وتهيئة شروط نشوء شرعية جديدة قائمة على التمثيل والتعددية، بعيداً عن منطق الغلبة والإقصاء.
أولاً- مفهوم السلطة الانتقالية
السلطة الانتقالية هي بنية حكم مؤقتة تنشأ في أعقاب انهيار نظام سياسي أو التوافق على إنهائه، وتتمثل وظيفتها الأساسية في إدارة مرحلة انتقالية محددة زمنياً، تُفضي إلى نظام سياسي مستقر ودائم. لا تستمد هذه السلطة مشروعيتها من انتخابات تقليدية، بل من توافق وطني واسع أو من شرعية ثورية-اجتماعية.
جوهر هذا المفهوم لا يقوم على الاستحواذ أو الاستفراد، بل على إدارة التعدد، وتنظيم الاختلاف، وصياغة عقد اجتماعي جديد. لذلك، فإن أي انحراف نحو احتكار السلطة أو فرض الأمر الواقع بالقوة يُعدُّ تقويضاً لفكرة الانتقال نفسها، وتحويلاً لها إلى إعادة إنتاج للاستبداد بأدوات جديدة.
ثانياً-الواجبات الأساسية للسلطة الانتقالية
1- إعادة تهيئة المجال السياسي والمؤسسي، وخلق بيئة سياسية جديدة تُتيح التعددية والتنافس السلمي. ويتطلب ذلك:
-إطلاق الحريات العامة، خاصة حرية التعبير والتنظيم. واحترام حقوق الإنسان، وضمان حمايتها لجميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الاجتماعية.
-تمكين القوى السياسية والاجتماعية من العمل دون قيود تعسفية.
-بناء قواعد ثقة بين مكونات المجتمع عبر سياسات إدماج لا إقصاء.
-يجب أن تشمل العملية السياسية جميع الفئات المجتمعية، بما في ذلك الأحزاب السياسية، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني.
-تطبيق مبدأ التوافق بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بدلاً من فرض منطق الغلبة.
كما أن إنتاج الشرعية الجديدة لا يتم تلقائياً، بل عبر مسار واضح ومُلزم، يُعرف بـ "خارطة الطريق"، يحدد مراحل الانتقال وأهدافه وآلياته الزمنية. إن غياب هذه الخارطة أو التلاعب بها يفتح الباب أمام الفوضى أو إعادة إنتاج الاستبداد.
2-. إدارة الملفات العاجلة
السلطة الانتقالية ليست فقط مشروعاً سياسياً، بل أيضاً مسؤولية يومية تجاه حياة المواطنين. ومن هنا تبرز ضرورة:
-ضمان الأمن والاستقرار.
-توفير الخدمات الأساسية (الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم.....).
-ضبط الأسعار بحزم ومنع الانهيار الاقتصادي.
ولا يمكن قبول تبرير الفشل أو التقصير بالقول إن "الإرث ثقيل". صحيح أن الأنظمة السابقة تترك أعباءً كبيرة، لكن هذا لا يعفي السلطة الانتقالية من المسؤولية. إن وظيفتها الأساسية هي إدارة هذا الإرث، لا استخدامه كذريعة دائمة. فالمساءلة يجب أن تكون حاضرة منذ اليوم الأول، لأن غيابها يُضعف الثقة ويقوض شرعية الانتقال.
3-منع منطق الغلبة
من أخطر ما يواجه المراحل الانتقالية هو تحولها إلى ساحة صراع جديد بين القوى المنتصرة. فبدل أن تكون أداة لتسوية الصراع، تصبح امتداداً له. لذلك، فإن الالتزام بالتوافق، وليس الغلبة، هو شرط أساسي لنجاح أي انتقال.
التوافق لا يعني إلغاء الاختلاف، بل تنظيمه ضمن قواعد مشتركة، تضمن مشاركة الجميع في صياغة المستقبل. أما الإقصاء، حتى لو كان مبرراً سياسياً أو أخلاقياً، فإنه غالباً ما يُنتج دورات جديدة من الصراع.
ثالثاً- صلاحيات السلطة الانتقالية
تمتلك السلطة الانتقالية صلاحيات واسعة بحكم الضرورة، لكنها ليست مطلقة. يمكن تلخيص هذه الصلاحيات في ثلاث دوائر رئيسية:
1-الصلاحيات السياسية والدستورية
-إدارة حوار وطني شامل يفضي إلى صياغة دستور جديد أو تعديل القائم.
-وضع إطار قانوني للانتخابات يضمن النزاهة والتمثيل الحقيقي.
-تفكيك البنى السلطوية القديمة التي تعيق التحول الديمقراطي، دون الوقوع في فوضى الانتقام أو الإقصاء الجماعي.
2-الصلاحيات المؤسسية والإدارية
-إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ومحايدة ومن كل مكونات الشعب.
-إصلاح القطاع الأمني والعسكري بما يضمن عدم الإقصاء، وخضوعه للسلطة المدنية.
-ضمان استمرارية الخدمات العامة ومنع انهيار الجهاز الإداري.
3-الصلاحيات الاقتصادية والاجتماعية
=إدارة الموارد المحدودة بكفاءة وعدالة.
-وضع سياسات إسعافية لمنع التدهور المعيشي.
-التمهيد لإصلاحات اقتصادية هيكلية دون تحميل المجتمع كلفة انتقال غير مدروسة.
ورغم اتساع هذه الصلاحيات، فإنها تبقى مقيدة بمبدأين أساسيين: المؤقتية والمساءلة. فلا يجوز للسلطة الانتقالية أن تتحول إلى سلطة دائمة، ولا أن تُعفى من الرقابة بحجة الظروف الاستثنائية.
رابعاً- حدود السلطة الانتقالية
يُفترض أن تكون صلاحيات السلطة الانتقالية، رغم اتساعها، مقيدة ومؤقتة، ودورها تسيير المرحلة فقط. لذلك أي من هذه الأفعال قد يُعد تجاوزاً:
1- في السياسة الخارجية
توقيع اتفاقيات دولية طويلة الأمد مثل: اتفاقيات عسكرية أو اقتصادية تلزم الدولة لسنوات. الانخراط في تحالفات عسكرية، كالسماح بوجود قواعد أجنبية أو إرسال قوات، وهو قرار سيادي كبير. الاعتراف أو قطع العلاقات مع دول.
2= في السياسة الداخلية
يجب أن تقتصر السلطة الانتقالية على إدارة المرحلة، وأي تغيير جذري أو فرض دستور جديد يعد تجاوزاً لصلاحياتها. تأجيل الانتخابات دون مبررات واضحة، أو وضع شروط تعجيزية تؤدي عملياً إلى البقاء في السلطة. التوسع في استخدام الأجهزة الأمنية. قمع المعارضة كبديل عن إدارة انتقال سياسي شامل.
3= في المجال الاقتصادي
خصخصة أصول الدولة أو بيع موارد استراتيجية، مثل النفط أو المرافئ بعقود طويلة الأمد. إبرام ديون كبيرة باسم الدولة، ما يقيّد الحكومات المستقبلية. تغيير جذري في السياسات الاقتصادية، مثل: (رفع دعم أو فرض ضرائب واسعة) دون تفويض تشريعي.
4= في المجال الاجتماعي
فرض تغييرات ثقافية أو تعليمية واسعة، كإعادة صياغة المناهج أو قوانين الأحوال الشخصية بشكل جذري. تقييد الحريات العامة، مثل حرية الإعلام أو التجمع، بذريعة الاستقرار. إعادة هندسة ديموغرافية أو إدارية، عبر تغييرات في الملكيات أو النزوح أو التقسيمات المحلية.
خامساً-الحالة السورية – تعقيد المسار الانتقالي
في الحالة السورية، تتجلى خصوصية معقدة تجعل من مسألة السلطة الانتقالية أكثر حساسية. فسقوط النظام البائد لم يكن نتيجة فعل جهة واحدة، ولا يمكن اختزاله في انتصار أحادي أو لحظة عسكرية حاسمة. بل كان حصيلة تراكم طويل من العمل السياسي، والحراك الشعبي، والفعل المدني، والتضحيات الواسعة التي قدمها السوريون بمختلف انتماءاتهم.
كما لعبت العوامل الدولية والإقليمية دوراً حاسماً في تشكيل لحظة التحول، سواء من حيث موازين القوى أو من حيث فرض أُطر معينة للحل. وهذا يعني أن أي سلطة انتقالية في سوريا لا يمكن أن تدّعي احتكار الشرعية أو تمثيل هذا المسار بمفردها.
إن اختزال التاريخ في رواية واحدة، أو احتكار النصر، لا يُعد فقط تبسيطاً مخلاً، بل إعادة إنتاج لمنطق الإقصاء الذي كان أحد أسباب الصراع. لذلك، فإن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يتطلب اعترافاً صريحاً بتعدد الفاعلين، وتنوع التجارب، وشرعية التضحيات المختلفة.
سادساً- نحو انتقال حقيقي
لكي تكون السلطة الانتقالية أداة للتحول لا مجرد مرحلة عابرة، لا بد من توافر مجموعة من الشروط:
-وضوح الرؤية والالتزام بخارطة طريق محددة.
-الشفافية في اتخاذ القرار وإشراك المجتمع في الرقابة.
-الفصل بين إدارة المرحلة الانتقالية والتنافس على السلطة المستقبلية.
-إعطاء الأولوية لاحتياجات الناس اليومية، بالتوازي مع الإصلاحات السياسية.
في النهاية، إن السلطة الانتقالية تمثل نقطة انطلاق حيوية نحو بناء نظام سياسي جديد يستند إلى الشرعية والتمثيل والتعددية. ولضمان نجاح هذه العملية، يجب أن تلتزم السلطة بمبادئ الشفافية والمساءلة، وتعزز التوافق بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية. إن تحقيق الانتقال السلس نحو الديمقراطية يتطلب جهداً جماعياً يشمل جميع فئات المجتمع، بعيداً عن منطق الغلبة الذي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات بدلاً من حلها.
السلطة الانتقالية دورها "إدارة المرحلة" وليس "إعادة تشكيل الدولة". وأي قرارات طويلة الأمد أو غير قابلة للتراجع تُعد تجاوزاً لصلاحياتها. ولا تُقاس نجاحات السلطة الانتقالية بشعاراتها، بل بقدرتها على نقل المجتمع من حالة الصراع إلى حالة السياسة، ومن منطق القوة إلى منطق الشرعية. وفي السياق السوري، تبقى هذه المهمة أكثر تعقيداً، لكنها أيضاً أكثر إلحاحاً، لأن البديل عن انتقال ناجح ليس الاستقرار، بل استمرار الأزمة بأشكال جديدة.