أسعد موسى باشا

محمد صباح الحواصلي

أسعد موسى باشا ابن خالة صديقي القديم مهيار الملوحي، وفترة معرفتي به متزامنة مع معرفتي بمهيار. بدأتْ معرفتي بهما قبل سن التذكر؛ فهما من فتح باب صداقة الزمن الغابر. الفرق بينهما أن مفتاح الصداقة بقي مع مهيار الذي انتقلت صداقتي معه من حماة إلى دمشق، في حين أن صداقتي مع أسعد موسى باشا انقطعت مع مغادرة أسرتي مدينة مولدي وطفولتي حماة. فغاب أسعد غياباً جعله طيفاً في الذاكرة كان مصيره الفناء لو لم يسترجعه الفيسبوك منذ عقد ونيف من الزمن فعاد تواصلنا من جديد، ولكن في تكاسلٍ يعوزه الحماس، وضعفٍ في الحميمية، وكأننا لسنا ذينك الطفلين اللذين قضيا معاً أصدق الأوقات من زمن البراءة الخالصة.
كانت أسرة أسعد تسكن في البناء الأبيض (الذي ذكرته أكثر من مرة في سيرتي الذاتية: "بيد أن العمر يمضي"، على أنه أحد صروح ذاكرتي الباكرة)، الذي كان مقابلاً لبيتنا في شارع الجعابرة، والقرب جعلنا نتبادل الزيارات، في بيته، وبرعاية شقيقته الكبرى أسيمة (رحمها الله) التي كانت تقدم لنا الحلوى وتقشر لنا التفاح، والتي غمرتنا أنا وأختاي منية وسحر بمحبتها وحسن ضيافتها. لم يكن سِحْر بيت موسى باشا مقتصراً على محبة وحسن ضيافة الشقيقة الكبرى، بل شمل أيضاً زيارة أسعد لمنزلنا ولعبنا معاً في سطح بيتنا.
معظم لعبنا الذي أطلق عليه مغامرات لخروجه من البيت إلى سطحه المغمور بضياء الشمس، أجده أكثر حرية ورغبة في الشطح والتخيل. مع أسعد لعبت أنا وأخواتي في ذلك الصندوق الكبير الذي كان جزءاً من مبهجات السطح؛ (الصندوق الخشبي الذي شُحن فيه بيانو أمي من بلد المنشأ إلى حماه)، وكان صندوقاً كبيراً لأجسادنا الصغيرة ومتیناً فجعلنا منه بيتاً نحكي فيه الحكايات ونجعل من الحبة قبة. وفي سطحنا احتضنتنا السماء وغيومها وشمسها، وكنا نغادر السطح وصندوقه قبل غياب الشمس فلم يُقدّر لنا أن نعرف الليل والنجوم والقمر والخوف من الظلام.
إن مكانة أسعد موسى باشا في ذاكرتي، على الرغم من قِصَر الفترة التي سكنتها صداقتنا المكتنزة بالبراءة أكبر من أن يطالها النسيان.. وأراها في مخيلتي أكبر بكثير من زمنها القصير.. القصير جدًا.