الوطن و"لحظة الانكسار الجماعي".. حين ينكسر المعنى قبل أن تنهار الدولة
مروان حبش
لا يقوم الوطن، في جوهره العميق، على الأرض وحدها، ولا على حدود ترسمها الخرائط، ولا حتى على مؤسسات سياسية تحمل اسم "لدولة". فالوطن، في معناه الأعمق، هو عقدٌ أخلاقي غير مكتوب بين المجتمع والسلطة؛ عقدٌ يقوم على الثقة، والعدالة، وتقاسم المصير. وفي ظل هذا العقد يشعر الفرد بأن الدولة تمثله، وأنها تعمل من أجل الصالح العام، وأن التضحية التي يقدمها في سبيلها ليست هدراً، بل إسهامٌ في بناء كيان مشترك يتقاسمه الجميع.
غير أن هذا العقد قد يتعرض لحظةً تاريخية خطيرة ينكسر فيها، وهي اللحظة التي يكتشف فيها المواطن أن الدولة لم تعد إطاراً جامعاً، بل تحولت إلى جهازٍ تديره "فصائل مسلحة"، أو إلى "منظومة تخدم قلة متسلطة" تتقاسم النفوذ والثروة باسم الوطن. عندها يتبدل المعنى الذي تأسست عليه فكرة الانتماء، ويتحول الشعور بالوطن من مصدر إلهام إلى عبءٍ ثقيل فاقدٍ للشرعية.
في هذه اللحظة، يصبح الفرد عاجزاً عن التضحية من أجل كيانٍ لم يعد يشعر بأنه يمثله. فالتضحية، في جوهرها، ليست مجرد فعلٍ بطولي معزول، بل هي استجابة أخلاقية لإحساسٍ عميق بالعدالة والمشاركة في المصير. وحين يدرك الإنسان أن الدولة تدار كـ "دكتاتوريات ميليشياوية" أو كأداةٍ لخدمة جماعات محددة، فإن هذا الإحساس يتآكل تدريجياً. فالمواطن الذي يرى السلطة تتصرف كمالكٍ خاص للوطن، لا يمكن أن يُطلب منه أن يبذل حياته دفاعاً عن منظومةٍ لا تعترف به إلا بوصفه رقماً في معادلة القوة.
وهنا يظهر ما وصفه المفكر عبد الوهاب المسيري بـ "لحظة الانكسار الجماعي". وهي اللحظة التي تنكشف فيها الدولة، لا بوصفها تعبيراً عن الإرادة العامة، بل باعتبارها جهازاً يخدم قلةً متسلطة. في تلك اللحظة لا ينهار النظام السياسي فحسب، بل ينهار الأساس الرمزي الذي بُنيت عليه فكرة التضحية. فالمعنى الذي كان يمنح الفعل البطولي قيمته يختفي، ويتحول الوطن من فكرة جامعة إلى شعارٍ فارغ.
وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تتغير طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة بصورة جذرية. إذ لم يعد المواطن يرى في الوطن فضاءً مشتركاً، بل كياناً يشبه "شركة خاصة" يتقاسم أرباحها أصحاب السلطة والنفوذ، بينما تُترك الخسائر لجمهور الشعب. وفي ظل هذا الشعور تتلاشى الفكرة الجامعة التي كانت توحد الناس، ويحل محلها إدراك مرير بأن اللعبة السياسية تدار لصالح فئة محدودة، بينما يُطلب من الآخرين دفع الثمن.
إن أخطر ما يحدث في هذه اللحظة ليس فقط تراجع الولاء، بل تآكل الرمزية التي تمنح الوطن معناه. فالانتماء، في النهاية، ليس مجرد ارتباطٍ مادي بالأرض، بل علاقة معنوية تقوم على الإحساس بالكرامة والمساواة. فإذا تحولت الدولة إلى أداة احتكار، وتحوّل الوطن إلى ملكية خاصة للجماعات المتسلطة، فإن هذه الرمزية تتعرى وتذبل. عندها لا تعود الحماسة التي كانت تدفع الأفراد إلى التضحية قائمة، لأن التضحيات لا تُبذل من أجل أوطانٍ مصادرة، بل من أجل قيمٍ يتقاسمها الجميع ويشعرون أنهم شركاء فيها.
وهكذا تأتي لحظة "سقوط القناع" ففي هذه اللحظة يكتشف المواطن أن الشعارات الكبيرة التي كانت تُرفع باسم الوطن لم تكن سوى ستارٍ لمصالح ضيقة. وتبدأ المفاهيم الأخلاقية المرتبطة بالوطن في الانقلاب على نفسها؛ فالوفاء الذي كان فضيلة يتحول إلى مادةٍ للسخرية، والإخلاص الذي كان قيمةً عليا يتحول إلى نوعٍ من السذاجة السياسية. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح من الصعب استعادة الثقة بسهولة، لأن الجرح لم يعد سياسياً فقط، بل أخلاقياً ورمزياً في آنٍ واحد.
أمام هذا الخراب المؤسسي والرمزي، يجد الفرد نفسه مضطراً إلى البحث عن ملاذٍ أخير. فإذا كان الوطن لم يعد يحميه، وإذا كانت الدولة لم تعد تعبر عنه، فإن الغريزة الطبيعية تدفعه إلى الاحتماء بمصلحته الخاصة. وهنا يتغير السلوك الاجتماعي من التضامن إلى الانكفاء، ومن الشعور بالمصير المشترك إلى البحث الفردي عن النجاة. إنها آلية دفاعية تظهر حين يشعر الإنسان بأن البنية التي كان يعتمد عليها قد انهارت.
غير أن هذا التحول لا يعني فقط تراجع الروح الوطنية، بل انهيار الفكرة نفسها من جذورها. فالوطن، في حقيقته، ليس مجرد أرضٍ تُحكم، ولا حدودٍ تُدار، بل هو منظومة قيمية وأخلاقية تربط المجتمع بدولته. إنه عقدٌ أخلاقي يقوم على العدالة، والمشاركة، والاعتراف المتبادل بين الحاكم والمحكوم. فإذا انكسر هذا العقد، لم يعد هناك وطن بالمعنى الحقيقي للكلمة.
وعندما يغيب هذا المعنى، تتحول الدولة إلى مسرحٍ تدور فيه لعبة السلطة باسم الشعب، بينما يكون الشعب نفسه غائباً عن القرار. وتصبح السياسة مجرد صراعٍ على النفوذ، لا مشروعاً لبناء مجتمعٍ مشترك. وفي مثل هذا السياق، تفقد كلمة "الوطن" قوتها التعبوية، لأنها لم تعد تعبر عن واقعٍ يشعر به الناس، بل عن خطابٍ سياسي فقد صلته بالحقيقة.
إن إعادة بناء الوطن في مثل هذه الظروف لا يمكن أن تتم عبر الشعارات أو الخطابات العاطفية، بل عبر استعادة العقد الأخلاقي الذي يمنح الدولة شرعيتها. فالثقة التي تنكسر لا تعود إلا حين يشعر المواطن بأن الدولة تعود لتكون ملكاً للجميع، لا أداة بيد القلة. وعندها فقط يمكن للانتماء أن يستعيد معناه، وللتضحية أن تستعيد قيمتها، وللوطن أن يعود فكرةً جامعةً لا شعاراً فارغاً.
فالوطن، في نهاية المطاف، ليس مجرد كيانٍ سياسي، بل معنى أخلاقي يعيش في ضمير المجتمع. وإذا انكسر هذا المعنى، فإن إصلاح الدولة يصبح شرطاً لإصلاح الفكرة نفسها؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدالة التي تجعل الناس يشعرون أنهم شركاء حقيقيون في هذا الكيان الذي يسمونه: الوطن.