عندما تخجل لكونك من أقلية

ريتا خير بك

في سؤال واحد يلاحقني كظل ثقيل، ولا اطرحه للترف او للندب ولا للحنين، بل كتشريح لازم:
ما الذي كان يمنع العلويين في الاغتراب، من الستينات حتى سقوط النظام، من ان يبنوا جمعيات علوية علنية، منظمات، مؤتمرات، تظاهرات، شبكة حماية، ذاكرة مكتوبة، وصوتا لا يستعير لسانه من احد؟
هل كان حافظ الاسد رعبا بالفعل؟ نعم، لكن ليس وحده. الرعب كان منظومة: عين تراقب، تقرير يصل، عقاب لا يحتاج لاثبات. وكان الخوف على الاهل يتحول الى حبل طاعة طويل يشد المغترب من رقبته كلما فكر ان يقول: انا هنا، ولي اهل هناك.
لكن الاكثر قسوة من الخوف، كان الخجل. خجل الاعتراف باننا اقلية في شرق لا يرحم الاقليات حين تتعرى من غطاء الدولة. خجل قول الاسم كما هو، من دون ان نختبئ خلف شعارات عامة جاهزة: سوريا واحدة، الامة، الجمهورية، الدولة. كأننا كنا نفاوض التاريخ على هويتنا: اذا لم ننطقها، ربما لا يرانا الذئب.
ثم كان هناك خداع الجمهورية. ليس خداعا سياسيا فقط، بل خداع نفسي: فكرة ان الدولة ام، وان ابنها لا يسأل عن اسمه داخل البيت. تربينا كاولاد للجمهورية: نحبها كما هي، نسكت عن عيوبها، ونصدق ان شهادتنا الوطنية تعفينا من الحاجة الى تضامن طائفي او اهلية تنظيمية. كنا نحتقر التنظيم خوفا من ان يبدو اعترافا بالهشاشة. كنا نعتبر الجمعية عارا، واللوبي خيانة، والحديث عن الحماية مبالغة. كنا نخلط بين الكرامة وبين الانكار.
والحقيقة المرة ان كثيرا مما نسميه مبادئ كان كسلا. كسلا مقنعا بالفكرة الكبرى، وبالخطاب النظيف، وبادعاء التفوق الاخلاقي: نحن ابناء الدولة لا نحتاج الى عصبية. لكن العصبية الوحيدة التي لم نتعب في صناعتها هي عصبية الصمت.
الصمت كان مريحا: لا يفتح ملفات، لا يطلب تبرعا، لا يخلق خصومات، لا يضع الرجال امام امتحان الفعل. الصمت يسمح لك ان تبقى “محترما” في عيون الجميع، شرط ان تدفع ثمن الاحترام من لحم اهلك عندما تقع الكارثة.
واليوم، لماذا هذا التحرك؟ لماذا بعد السقوط، بعد ان صرنا مكشوفين، وبعد ان صار القاعدة وداعش تفاصيل يومية في خيال الساحل قبل جغرافيته؟
هل توقف الخوف على الاهل؟ لا. الخوف لم يتوقف، فقط تغير شكله: لم يعد خوفا من مخابرات الدولة، بل خوفا من الفراغ. ومن الفوضى. ومن ان يكتب الاخرون قصتنا بالنيابة عنا.
لكن دعونا نكون صريحين: هناك ايضا دافع اقل نبلا. التحرك اليوم ليس دائما شجاعة متاخرة، احيانا هو ذعر متاخر. احيانا هو محاولة لحماية السمعة لا لحماية الناس. احيانا هو رغبة في ان نبدو ضحايا محترفين بعدما قضينا دهرا نتصرف كمواطنين فوق الشبهات.
انا اكتب هذا كامرأة عاشت الحرب الاهلية السورية ولم اخجل يوما ان اقول انا علوية واطالب بالفيدرالية، حتى عندما كان الجميع يزايد بشعار سوريا واحدة. كنت افهم الشعار، لكنني كنت ارى الفجوة بين اللغة والسكين. كنت اعرف ان الوحدة التي لا تعترف بمكونات الارض هي وحدة زينة، اول ما تسقط الدولة تسقط معها.
ولهذا اسأل المغترب العلوي، وخصوصا الرجال: اين كانت شهامتكم التنظيمية حين كان التنظيم ممكنا؟ اين كان عقل الادارة، وذاكرة الجمع، وخطة الحماية؟ لماذا تتركون النساء والامهات يحملن الاسم على ظهرهن، بينما يتعلم كثير من الرجال فنون الاختباء خلف العموميات؟
اليوم نحن لسنا “اولاد الجمهورية”. نحن ايتامها. واليتيم الذي لا يبني بيتا لنفسه، سيبيت دائما في بيوت الاخرين بشروطهم، ويستيقظ دائما على نفس الجملة: لم نكن نعرف.
لا اريد تبريرا جديدا. اريد اعترافا: ان الصمت كان سياسة، وان الكسل كان عقيدة، وان الانكار كان ترفا دفع ثمنه اهلنا.
واول خطوة للنجاة ليست صراخا ولا شعارات، بل ان نكف عن لعب دور الابن المطيع لدولة ماتت، وان نبدأ اخيرا بتصرف البالغ الذي يفهم هذه المنطقة كما هي: من لا يحمي نفسه بعقل وتنظيم وذاكرة، سيطلب الحماية متاخرا… من سكين لا ترحم. 
تعقيب من أبي حسن: قبل عام 1970 كانت معظم الجمعيات الخاصة بالعلويين، تحديداً في الأرجنتين والبرازيل، تحمل أسماء من قبيل" "الجمعية الخيرية الجعفرية العلوية في بيونس آيرس".. الخ، إلى أن زار الطبيب وعضو مجلس الشعب محسن بلال (وزير اعلام أسبق في عهد بشار الأسد)، بضعة بلدان في امريكا اللاتينية ومنها البرازيل والأرجنتين وذلك عقب انقلاب حافظ الأسد بقليل، وكونه -بلال- أراد التملق لنظام حافظ الاسد من باب المزايدة بالخطابين الاسلامي والعروبي، طلب من العلويين إزالة مفردة "العلوية" عن أسماء جمعياتهم، متذرعاً بدلالتها الطائفية! ولأن أجدادنا وأباءنا المعتربين حينها كانوا بسطاء وسذج صدقوا محسن بلال فحذفوا فعلاً اسم العلويين عن جمعيات الخاصة بهم.
ما ذكرته أعلاه سمعته من أقارب عدة لي كانوا في ذينك البلدين في تلك الفترة، وكانوا شهوداً على الحادثة، ولعل الأمر ذاته فعله محسن بلال في فنزويلا وغيرها من بلدان في امريكا اللاتينية.