حجم المعاناة المعيشية في سوريا: أزمة مستمرة وواقع صعب.. من الفقر إلى الجوع
مروان حبش
يواجه المواطن السوري اليوم واقعاً معيشيا ًكارثياً بلغ حدوداً غير مسبوقة، واقعاً لم يعد يحتمل التوصيفات المخففة أو التبريرات الجاهزة. فبعد أكثر من عقد من الحرب والمعاناة، كان من المفترض أن تمثل المرحلة الانتقالية نقطة تحوّل نحو الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي، غير أن ما جرى على الأرض يؤكد أن السياسات المتبعة تسير في الاتجاه المعاكس تماماً، وتدفع بالمجتمع من حالة الفقر المدقع إلى حالة الجوع المنظم.
إن الإجراءات الإدارية والاقتصادية التي اتخذتها السلطة الانتقالية، وعلى رأسها التسريح الجماعي لمئات الآلاف من العسكريين، تمثل حالة اجتماعية غير مسبوقة. فقد جرى رمي هؤلاء خارج منظومة العمل والدخل دفعة واحدة، من دون أي خطط استيعاب أو بدائل اقتصادية ومن دون توفير أي شبكة أمان لهم، بل مع إغلاق فعلي لكل أبواب البحث عن عمل، ما أدى إلى تدمير مصادر رزق مئات آلاف الأسر ودفعها إلى حافة الانهيار الكامل.
ويزداد هذا المشهد قتامةً مع الامتناع عن صرف الرواتب التقاعدية لشرائح تبلغ الآلاف العديدة من المدنيين والعسكريين، في سأبقة خطيرة مخالفة للقانون، وتنسف أبسط مبادئ العدالة والالتزام القانوني والأخلاقي للدولة تجاه مواطنيها. إن حرمان هؤلاء المتقاعدين من حقوقهم المكتسبة ليس إجراءً مالياً عابراً، بل هو اعتداء مباشر على كرامة الإنسان وحقه في الأمان الاجتماعي، ويكشف عن استخفاف غير مقبول بمعاناة فئات أفنت عمرها في خدمة المجتمع. وتحويل الشيخوخة من مرحلة استحقاق للراحة والكرامة إلى عبء ثقيل مليء بالقلق والراحة.
وفي موازاة ذلك، شهدت البلاد ارتفاعاً صادماً وغير مبرر في أسعار المواد الغذائية الأساسية ومواد الطاقة، في ظل غياب أي سياسات حماية اجتماعية أو رقابة فعلية على الأسواق. هذا الارتفاع الجنوني لم يؤدِّ فقط إلى تجويع الأسر السورية، بل تسبب في انفجار تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، مما قد يؤدي إلى شلل ما في قطاعات الإنتاج، وتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد بقاء، لا يخدم سوى قلة محدودة على حساب الغالبية الساحقة من الشعب.
من أبرز ما يميز السياسات التي تم تطبيقها في سوريا هو طابعها الانتقامي، حيث يتم تنفيذ قرارات تؤثر سلباً وبشكل غير مبرر على قطاعات واسعة من المواطنين. تسبب هذا النوع من السياسات في زيادة الوضع سوءاً للغياب التام للسياسات الاقتصادية التي تهدف إلى تعزيز التكافل الاجتماعي أو توفير حلول طويلة المدى لمعالجة مشاكل البطالة والفقر.
إن استمرار هذه السياسات يعكس فشلاً ذريعاً في فهم الواقع الاجتماعي، أو تجاهلاً متعمداً له، ويضع السلطة الانتقالية أمام مسؤولية مباشرة عن تعميق الأزمة المعيشية وتفجير التوترات الاجتماعية. فلا يمكن الحديث عن انتقال سياسي أو استقرار وطني في ظل سياسات تدفع الناس إلى الجوع، وتجرّدهم من وسائل الصمود، وتغلق أمامهم أي أفق للحياة الكريمة.
وانطلاقاً من هذه الحقائق، فإن السلطة الانتقالية تتحمل كامل المسؤولية عن النتائج الكارثية لهذه الإجراءات، وعليها الاستجابة لصوت الشعب ومعاناته بالإلغاء الفوري وغير المشروط لكافة القرارات الإدارية والاقتصادية الجائرة، وعلى رأسها رفع أسعار المواد الأساسية والطاقة، وقرارات وقف الرواتب التقاعدية. كما عليها اعتماد سياسات إنقاذ عاجلة تقوم على حماية الدخل، وضمان الحقوق الاجتماعية، وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج بدل خنقها.
إن كرامة المواطن ليست بنداً ثانوياً في أي مرحلة انتقالية، بل هي معيار شرعيتها الحقيقي. وأي سلطة تعجز عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، أو تتجاهل معاناة شعبها بعد سنوات طويلة من الألم، تفقد مبرر وجودها السياسي والأخلاقي، وتدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار وعدم الاستقرار.
إن معاناة السوريين اليوم تتعدى الحدود التقليدية للأزمات الاقتصادية، حيث تتشابك العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتخلق واقعاً معيشياً لا يمكن تجاهله أو تجاهل آثاره المدمرة. إن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يزيد من التحديات أمام المواطنين في سعيهم للحصول على حياة أفضل، ويزيد من انتشار الفقر والجوع والبطالة بين شرائح واسعة من المجتمع السوري.
يحتاج الشعب السوري اليوم إلى سياسات اقتصادية أكثر إنصافاً وعدلاً، تضمن توفير فرص عمل مستدامة وتحسن مستوى الدخل الفردي، إضافة إلى إصلاح نظام الأجور والرواتب للعاملين في الدولة وللمتقاعدين، وتأمين شبكة حماية اجتماعية تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم.
إن بناء مستقبل مستقر لسوريا لا يمكن أن يتحقق عبر القرارات المجتزأة أو السياسات الصادمة، بل من خلال رؤية شاملة تعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية، وتؤسس لعدالة اجتماعية حقيقية، يكون فيها العيش الكريم حقاً مكفولاً لكل مواطن، لا امتيازاً نادراً أو حلماً مؤجلاً.
إن مواجهة هذه الأزمات تتطلب خطوات حقيقية نحو تغيير السياسات الحالية، وتفعيل دور الشعب في العملية السياسية، وتقديم حلول عملية تضمن توفير الحقوق الأساسية لجميع السوريين، وليس استمرار التفرد بالسلطة في غياب العدالة والمساواة.