هوية دمشق

نادية خوست

 قال أحد ملوك إسبانيا بعد استردادها من العرب: "لا تدمروا ما لا يوجد إلا هنا لتبنوا ما يوجد في أي مكان"! نبههم. فحموا هوية غرناطة وقرطبة وبقية مدن الأندلس. زرعوا في محيط قصر الحمراء أشجار النارنج. ولم يقصوا الصبار. ولم يستنبتوا ناطحات السحاب. ولا يزالون يرممون تلك الكنوز. وهكذا أصبحت جوهرة في التراث الإنساني العالمي. وسجل الإسبان في تاريخهم: "إسبانيا العربية".
تجولت في غرناطة في الصباح الباكر، فمشيت في أزقة ضيقة نظيفة. صادفت عرائش ياسمين، وسقاطات على الأبواب، وشجرة نارنج أمام بيت. وتبيّنت الدقة في حماية البيوت البسيطة. هكذا بقي قصر الحمراء محاطاً بهوية أصيلة.
في لوزان السويسرية والمدن الأوروبية، عنيت البلديات بالساحات فحرمت السيارة منها، ونشرت فيها المقاهي كي يتأمل سكانها واجهاتهم المرممة ويسمعوا أصواتهم. حميت حتى هوية القرى الصغيرة. فلماذا لم ننقل ذلك الاعتداد بالهوية، الذي يريح الناس ويفرحهم، واعتمدنا مخطط ايكوشار الذي استقدمه عبد الرؤوف الكسم فبدأ تحويل مدينة المشاة الجميلة النظيفة إلى مدينة سيارات؟ في سياق هذا المخطط كسرت المنظومة البيئية، وجّهت مصبات المياه المالحة إلى بردى وفروعه، واكتسحت البساتين التي تتداخل في أحياء دمشق فترطبها، وقلعنا عشرات الملايين من أشجار الغوطة، فحرمنا المدينة من حاجزها عن البادية، وغيّرنا مناخها، واستنزفنا ماءها بمزارع يعفور والصبورة.
بين صور خالد معاذ التي التقطت زوارق في بردى، وحاضر دمشق، تلك الجرائم. وفي أساسها تطبيق مخطط شطرنجي على مدينة عربية يحلو المشي في حاراتها. لكن الخطر أن تستمر تلك الأخطاء فنرث من محافظي الأمس الهوس بتأمين مرائب للسيارات، لا توسيع المساحات للمشاة (المعتمد في بلاد تنتج السيارات). ونسيان ما وعدنا به وزير المواصلات: وسائل النقل العامة المتنوعة.
نلاحظ أن التنقل صار شاقاً في دمشق. لا المشاة فيها سعداء بالزحمة، ولا أصحاب السيارات. الدوران إذن في البحث عن مواقف للسيارات لن يحل المشكلة. فقد وصل الغرب قبلنا بعقود إلى الجوهر: كل طريق يفتح للسيارة تلتهمه وتطلب طريقاً آخر، وكل مرآب يؤمن للسيارة تبتلعه وتطلب آخر. لذلك حولت البلديات في باريز بعض مواقف السيارات إلى مواقف للدراجات المستأجرة. وبقيت المواصلات العامة تؤمن التنقل، وتسهل التجانس الاجتماعي.
نحتاج إذن تغيير الرؤية التي حكمت الفترة الماضية. الانتقال من الخضوع لجشع السيارة، إلى حق الناس في مواصلات سهلة متنوعة. واستعادة حق المشاة في المدينة. في سياق هذه الرؤية يحمى سقف سوق الحميدية فنتفادى التطاول على الرأي العام والحق التاريخي. ويوضع مشروع لإحياء بردى، وصرف المياه الوسخة عنه. وحماية الحدائق كلها، وتشجير أي فراغ بقي في دمشق.
ألا نلاحظ أن غياب المواصلات العامة السهلة ينعكس في العلاقات الإنسانية؟ يصعّب على الأقرباء والأصدقاء اللقاء. ويقلل المهتمين بحضور المحاضرات. ويمنع توديع الميت واستقبال المعزين. بإيجاز: يكسر علاقة المدينة بالناس.