وكان ما توقّعتُه.. حول (في رحاب الشيخ صالح العلي)

عبد الكريم الناعم

 *حين نشرتُ مجموعة ما يُمكن أن تُسمّى "مقالات"، بعنوان "في رحاب الشيخ صالح العلي"، كنتُ أعلم أنّ ثمّة من الأصدقاء مَن سيوافق، ومنهم مَن يتحفّظ، ومنهم مَن يرفض وإن لم يصرّح بذلك، وقد ألمحتُ إلى ذلك، بيد أنّ رسالة صوتيّة، ومكالمة هاتفيّة وردتْني من صديق بمرتبة أخ، أقولها صادقاً، تمنّى عليّ ألاّ أكون قد خضتُ في هذه المخاضة، ولن أتطرّق لما دار بيننا لأنّ محور ما كان، سيُعرف من خلال ما أكتبه الآن:
1-ما كتبتُه كان له أهداف لم أُخفِها ومنها التوثيق، ومنها الردّ غير المباشر على مَن تجرّأ على تلك القامة الوطنيّة العالية، ومنها رفْع المعنويّات التي وصلتْ حدّا من الخوف، عرف بعضه أجداد تلك المناطق، في أزمنة تمدّدت فيه ظُلمة الظُلم، لأسباب يأتي على رأسها أنّ ثمّة أناساً في كلّ مرحلة من مراحل تاريخ هذه البلاد، قد أعطوا لأنفسهم حقّ أن يكونوا وكلاء الله في تقييم مَن هو مؤمن ومَن هو كافر، وأصرّوا على أن يسوقوا الناس بعصا لم يمنحها ربّ العالمين لأكرم أنبيائه" أَفَأَنْتَ تُكرِهُ الناسَ على أن يكونوا مؤمنين"-/قرآن كريم/-، وفي عصرنا الحديث كان وراء هؤلاء المسترخصين دماء العباد، قوى خارجيّة لم تعد خافية، وكان افتتاحها في أفغانستان، أيام حكم الاتحاد السوفيتي،
2-أقول لهذا الصديق الذي هو بمرتبة أخ، -بالمناسبة هو قارئ، ومتابع،- إنّنا منذ أن تعارفنا، مطلع ستينات القرن الماضي، ونحن على الود ذاته، وعلى الاختلاف ذاته، دون أن يُفسد اختلافُنا للودّ قضيّة، وكم أتمنّى لو ارتقى الكثيرون ممّن كنتُ أعتبرهم من أهل الحرف إلى هذه السويّة،
3-منذ أن وعى الانسان نفسه فوق ظهر هذا الكوكب، وبدأ الوعي يتفتّح عنده كان ثمّة مَن يؤمن بالغيبيّات، ومنهم مَن لا يؤمن بها، وهذه مسألة لم تُحسم، ولن تُحسم، لأنّ الغيبيات ليست قانونا رياضيّاً، كما أنّها لو صحّت لدى الجميع لَما كان ذلك الاختلاف، رغم إرسال الرُسل، وسيبقى هذا لأنّه جزء من هويّة الانسان على ظهر هذه الأرض، ولقد سالت دماء كثيرة في سبيل ذلك، في الشرق والغرب، وما جرى في أوروبا في العصور الوسطى أحد الشواهد، كما انّ ما جرى في منطقتنا العربية الاسلاميّة، ولمّا ينته بعد، شاهد آخر، وكان من أسباب تقدّم ألمجتمعات الأوروبيّة، أقول (من أسباب)، وليس سبباً وحيداً، إنّهم توصّلوا إلى أنّ مسألة الإيمان بالغيبيات، أو أن يكون الانسان متديّناً، أو حتى مُلحِداً، هي مسألة شخصيّة، وأصبحتْ قيمة المرء عندهم، ما قاله أمير المؤمنين "عليّ" كرّم الله وجهه: "قيمةُ المرء ما يُحسِن"، فتقدّموا، وبلغوا آفاقاً علميّة، وفلسفيّة، واجتماعيّة، لم تعرفها البشريّة من قبل، وظلّت منطقتنا العربيّة الاسلاميّة غارقة في مساحات لا يضلّ فيها إلّا مَن استغنى عن عقله، فأزاحه، وأحلّ محلّه نصوصا بشريّة قابلة للأخذ والردّ، وخلع عليها عصمة ليست لها، فاستغلّتها أخبث دوائر الاستخبارات، والمؤسسات الغربيّة الاحتلالية، فلعبت بتلك الأوراق من أجل الحصول على كنوز ما في ارضنا، وصولا إلى صياغة أبناء هذه البلاد صياغة ثقافية، تجعلهم أدوات تنفيذ لا غير،
4-الجدال في الإيمان أو الالحاد لا يمكن الوصول فيه إلى نهاية، وهذه مسألة شخصيّة، ولو كانت حجج الايمان كافية لما كان ثمّة مُلحد، والعكس صحيح، وصِدقُ القول من كذبه لا يعرفه إلاّ ربّ العالمين، ولن ينزل أحد في حُفرة الآخر،
أعلم ان هذا القول لن يُلغي (التبشير) أو (الدّعوة) عند أصحابها، ولكنني أطالب بعدم إكراه الناس، لأنّ التديّن بحدّ ذاته ليس الغاية النهاية بل هو، على هذه الأرض، وسيلة لسموّ الأخلاق، "إنّما بُعثتُ لِأُتمّم مكارم الأخلاق"،/ حديث نبوي/، بهذا المعنى قد نجد مُلحدا يتمتّع بأخلاق عالية، كالصّدق، واحترام القيم العليا، والبذل، والوفاء، ولا نجد ذلك عند مَن لا يفوته وقت صلاة، وقد نجد (وجداناً) متألّقا عند رجل شبه أمّي، ونجد غابة من الخُبث لدى أستاذ جامعيّ، وهذا يوضّح أيّهما أفضل لبناء المجتمع، وللعطاء الانسانيّ، وكلامي هذا ليس دعوة لجهة ما، بل انا مع أن يجتمع التديّن من النّبل، والصدق، وعدم التكفير، وعدم الانجرار إلى المزالق المدمّرة للمجتمعات، ولقد كتبتُ الكثير في هذا الأمر، في مقالاتي وكتبي،
5- أُعيد ما سبق أنْ كرّرته من كلام للمناضل الانسان غاندي، في واحدة من وصاياه لأبنائه/ تلاميذه الروحانيّين، إذ قال ما معناه "يا بُنيّ لا تطنّنَّ أنّ (الحقيقة) موجودة في دين ما، أو مذهب ما، ولو كان الأمر كذلك لاهْتدى جميع الناس إليها، (الحقيقة) موجودة في كلّ العقائد فابحثْ عنها"،
العقائد الروحانيّة كثيرة في هذا العالم، وحين يَقتتل الناس على عقيدة فذلك يعني أنّ ثمّة مَن نجح من اللصوص، في نصب كمين لتفخيخ هذا المجتمع، بهدف سرقة ما فيه، أو وضع اليد عليه كقاعدة في الانطلاق لِما هو أبعد.
6-إنّ ما مرّ، وما هو ماثل، قديما وحديثا في هذه البلاد، يجعل العقلاء المخلصين يرون أنّ الخروج من المأزق الذي نعاني منه هو، في تبنّي الشعار الذهبي "الدّين لله والوطن للجميع"، أعطوني بلداً واحدا في هذا العالم ليس فيه التعدّد الذي علينا الاستجابة للتعامل معه،
سأل أحد الصحفيّين الدالاي لاما، الزعيم الروحي للتيبت، بل هو فيما قرأت عند أتباعه (تجلّ) إلهي، سأله: "ما أفضل الأديان؟ ظانا منه أنّه سيقول له إنه الدين الذي هو عليه، فكان جوابه: "أفضل الأديان ما ينفع الانسان"،
فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفَعُ الناسَ فَيمكثُ في الأرض (قرآن كريم)...