الهوية ليست شعارا ولا بطاقة ولا سردية نختارها
ريتا خير بك
هناك أشياء لا بد من الاعتراف بها للجميع، بعد سنة كاملة من التواصل الكثيف مع العلويين في الداخل والخارج.
أولها أن الهوية ليست شعارا ولا بطاقة ولا سردية نختارها حين تناسبنا ونخلعها حين تثقل علينا. الهوية ليست رأيا سياسيا قابلا للتعديل، ولا زينة لغوية نضيفها إلى سيرتنا الذاتية. الهوية شيء أقدم من اللغة التي نتقنها، وأعمق من الشهادات التي نحملها، وأقسى من المدن التي تفتح لنا أبوابها ثم تذكرنا أننا ضيوف. هي خيط داخلي يشدك إلى الأصل كلما ظننت أنك ابتعدت. هي صوت الساحل والغاب حين يناديانك من وراء الماء والسنابل، رائحة البيوت القديمة حين كانت الأبواب تعرف أسماءنا، طريقة الخبز حين يخرج من التنور كأن الحياة ما زالت ممكنة، وذاكرة تتوارثها الأجساد قبل العقول.
بعد سنة أدركت أنني ابنة هذه الجماعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أدركت أنني منذ أربعة عشر عاما، ومنذ ثمانية وثلاثين عاما، مهما وصلت من العلم، ومهما عشت في مجتمعات، وتكلمت لغات، وحملت ألقابا، أعود في النهاية ابنة تلك الجماعة. لا كعودة مهزومة، بل كعودة واعية. كعودة فخر. فخر يبدأ من أول قبلة وضعها جدي أبو جميل على رأسي، من ذلك الدفء الأول الذي يعلّمك أن الانتماء ليس فكرة تُناقش فقط، بل عهد وكرامة وجرح أيضا.
وثانيها، تعلمت شيئا كان ينبغي أن يكون بديهيا، لكنه ليس بديهيا في زمن النخب والوعظ: طريق الوعي لا يبدأ بأن أنصب نفسي فوق الناس. لا يبدأ بادعاء أنني أعلم أكثر، ولا بأن أرى الألم من نافذة مرتفعة. الوعي يبدأ حين أعترف أنني أتعلّم، وأننا نتعلّم معا. أن هذه الجماعة لا تحتاج من يشرح لها ذاتها من فوق، بل تحتاج من يصغي من داخلها، من يمشي معها لا أمامها. لا يمكن أن تأتي من فوق الناس وتطلب منهم أشياء، بينما هم يعيشون في وضع البقاء، ويحسبون الخسارات بالتفاصيل الصغيرة: خبز، أمان، اسم، طريق، قبر. عليك أن تصعد مع الناس، من القاع إلى القمة، خطوة بخطوة، لا بالخطابة بل بالمشاركة، لا بالإملاء بل بالرفقة، لا بالاستعراض بل بالصدق.
وثالثها، تعلمت معنى الهوية حين تصبح مسألة حياة أو موت. تعلمت أن احترام معتقدات الناس ليس ترفا فكريا ولا مجاملة اجتماعية، بل شرط أخلاقي لأي تغيير حقيقي. هناك شيء يهزّك من الداخل حين تسمع إنسانا يقول إن آخر كلمة سينطق بها قبل الرصاصة هي “يا علي”، أو أنه سيعترف بوضوح أنه علوي حتى لو لم يكن متدينا كما يتدين غيره. هنا فهمت شيئا قاسيا وجميلا في آن: حين يُحاصر الإنسان، يتمسك بالاسم لا بوصفه تعصبا، بل بوصفه حقا في الوجود. الاسم يصبح موقفا. يصبح كرامة. يصبح رفضا لأن تُمحى من العالم وأنت صامت. يصبح طريقة تقول بها: أنا هنا، ولن أختفي كي ترتاحوا.
ورابعها، تعلمت أن أي تحول لا يبدأ بالازدراء، بل بالاحترام والعاطفة. لا يمكنك أن تطلب من جماعة مجروحة أن تتغير بلغة جافة. لا يمكنك أن تبني مستقبلا فوق إهانة ذاكرة الناس، أو فوق احتقار طقوسهم وعاداتهم ومفرداتهم. التغيير الحقيقي يبدأ حين ترى الإنسان كما هو: بخوفه، بحاجته، بحزنه، بكرامته، وبقدرته أيضا. يبدأ حين تفهم أن ذاكرة الجماعة ليست عبئا فقط، بل خبرة نجاة تراكمت عبر قرون من الاضطرار إلى الحذر، ومن تعلم الصمت حين يكون الكلام انتحارا.
وخامسها، تعلمت التواضع أمام ألم الناس وحاجتهم وتفاصيل حياتهم التي لا يراها من يعيش بعيدا. تعلمت أن أبسط شكل من أشكال العنف هو أن تقول عن شعبنا إنه “بسيط” وتقصد السذاجة. لا. شعبنا ليس ساذجا. شعبنا محب، نعم، لكن محبته ليست ضعفا. محبته شكل من أشكال البقاء. وشعبنا خلاق. يخلق معنى من الخراب، ويخلق حياة من شح الموارد، ويخلق نكتة من القهر كي لا يجن. يستحق فرصة، لا شفقة. يستحق عدالة، لا خطابات جميلة. يستحق أن يُرى كما هو، لا كما يراد له أن يكون.
وفي النهاية، لا أكتب هذا كي أعلن ولاء أعمى، ولا كي أصنع أسطورة جديدة. أكتب لأقول إن الشتات لا يمحو الجذور، بل يكشفها. وإن الساحل والغاب ليسا جغرافيا فقط، بل ذاكرة أخلاقية: طريقة في الوقوف حين يسقط العالم، وطريقة في قول “أنا هنا” حين يريدون لك أن تختفي. وإن الانتماء الحقيقي لا يعني أن نغلق على أنفسنا، بل أن نحمل بعضنا بعضا بقدر ما نستطيع، وأن نتعلم معا كيف نصير أوعى، وكيف نصير أقدر على حماية الحياة والمعنى والكرامة.
هذه أشياء لا بد من الاعتراف بها. لأن الاعتراف بداية الطريق. ولأن الصدق وحده هو الذي يليق بمن يريد أن يحول الوجع إلى وعي، والهوية من تهمة إلى حق، والانتماء من جرح إلى مسؤولية.
واخيراً: احبكم