جيل الشباب وصناعة المستقبل

مقال كنت قد نشرته عام 2011، وأعيد نشره بغية المقارنة بين ما انتفض الشعب السوري ليحققه، وما تحقق منه بعد مرور عام على سقوط نظام الفساد والإجرام.
مروان حبش: كلنا شركاء- 2011/03/27
لقد صدَّق الحكام في النظام العربي القائم بأن جنيات وادي عبقر أوحت لهم مدى حبهم من الشعب الذي يحكمون، وبأنه بالروح وبالدم يفديهم، ولم يستيقظوا على حقيقة زيف ما صدَّقوا وما توهموا إلّا بعد ثورات الشباب التي دمّرت ما ترسخ عند الحكام، على غير وعي منهم، من القناعات الخاطئة، فأذهلتهم وأدهشتهم وعرّفتهم بأن لا حصانة لأي نظام تحت أي من الشعارات.
حكام برعوا في تمزيق "الرعية" التي يستبدون بها بالجهوية والطائفية والقبلية وباللا مساواة "فقر وبطالة"، وكان لطبيعة وحدود وكثافة التفاوتات "السياسية والاقتصادية والاجتماعية" اختفاء طبقات اجتماعية حاملة للتغيير والتقدم. إنها ظواهر أدت إلى شرخ في المجتمع وطلاق بينه وبين حكامه الذين جعلوا "الرعية" تعيش في واقع يُساء التعامل إليها، ويُبخس من قيمتها، مما تسبب في كثير من الإخفاقات والانكسارات وغياب الشعور بالمسؤولية، وأخذ الفرد من "الرعية" في مجتمعنا ذي البنية الهشة وبما فيه من توترات، يبحث، وبما يتكشف هذا البحث عن تحدٍ، لإيجاد معنى لحياته، وعلى طرائق الحصول على حريته، إنها حالة غير مسبوقة منذ عدة عقود من الركود، ولكنها كاشفة عن نجاح متزايد في تقنيات النمو الشخصي، وفي نضج متعدد الوجوه مرتبط بالأزمات الخانقة "الضغوط الظرفية المدمرة وانمحاء نقاط الاستناد والتعقيد المتزايد والعجز عن التقدم والانكفاء على اللحظة الراهنة…"، هذه الأزمات ولَّدت ما يحدث، الآن، في المجتمع العربي، بجيل شبابه، أمواجاً متلاطمة في محيط هادر، في تحمل مسؤوليات متعاظمة، و في مواجهة تحديات صيرورته، ومن أهمها رفع المصادرة المفروضة على مستقبله، والاستجابة لما هو مطلوب منه بخصوص مشروع حياته بإعادة التحديد، باستمرار، تبعاً لقراراته البحتة.
إن هذا الجيل من الشباب الذي تقدم إلى الساحة بشكل سلمي وعلى المكشوف، صنعت المعاناة الداخلية والتوترات والهوس حتى المرض بهموم شعبهم ثوراتهم في ظل موازين القوى التي تميل كلياً لمصلحة الحاكم، ثار وبظل حماية له من شعبه المقهور بعد زمن طويل من القمع والكبت، وعلى المشاكل الموجودة في مجتمع أرهقه الأمل بالمستقبل، وعلى تيارات النفي السياسي والتيارات القوية للهجرة الاقتصادية من بلده المليء بالخيرات، وهو مستعد للتضحية من أجل الخلاص، بعد أن عرف موطن الداء المستفحل الذي يسبب كل مآسيه والكامن في بنية دولة السلطة التي شيَّدت أطرها الدساتير المعمول بها، وفي ديمومة العمل بقوانين الطوارئ التي أنتجت الدولة الأمنية وفرضت على الفرد من "الرعية" مصادرة لمستقبله اجتماعياً وسياسياً ومعاشياً خلال سيرورة تبدأ منذ دخوله الحضانة حتى الردح الأخير من حياته، وحصاراً رغماً عنه في شبكة من التبعية تحدد تصرفاته ولا تسمح له بأي شعور بالتمايز الفردي أو الميل نحو أي تكون اجتماعي، وتسميرَ مصيره بأمل الخلاص في الآخرة، من خلال روابط حشرته في إطار سلطات وضوابط ضاغطة.
ثار جيل الشباب وهو معتدٌ بذاته من خلال كفاءات يمتلكها ولا يجوز أن تظل في سُبات، وتولَّد فيه شعورٌ بالحرمان في ظل نظام سياسي مليء بالأطر الضاغطة، وحاكم لا يرى إلا صورة نفسه ولا يتأمل إلا كُنه ذاته، ويعيش جنونه، ويجلب وحوشه من كل مكان ليهدد بحرب أهلية على أسس بالية (عشائرية أو طائفية أو جهوية…)، ويبرع في قتل شعبه الذي امتلأ قلبه بالكراهية له، والمجنون لا يندم على ما يقترف من جرائم، ولا يتحمل ضميره مسؤولية الصفات الشنيعة التي يسبغها على شعبه أو المذابح التي يبرع في إنجازها أو الدمار الذي يُبدع في تحقيقه.
جيلٌ يعارض ما تبذله مؤسسةٌ مفرطةُ التسلط لفرضها عليه قاعدة تقليد قداسي يُعاد توظيفه في غسل أدمغة، وفي تكوين ناشئة، لتمجيد حكام لم يكن في ممارساتهم ما يدعو للرمزية أو القدسية أو إعادة بناء تاريخي حقيقي.
جيلٌ كسر غلَّ "المفروض" ويرى أن واجب الخضوع لحقائق وجدها أمامه منذ طفولته، أصبح الآن أقل تقديراً، ويطالب بشكل متزايد بأن يحدد بنفسه المرجعيات التي تشكل معنىً بالنسبة له، ويُثمِّن حقه بهذا السعي نحو مرجعيات متطورة تشكل هويته، ويقيم التجديد في ضوابط جديدة لمستقبله.
جيلٌ انشغلت أنظمة الاستبداد في توجيهه للسيطرة عليه، ولكن هذه النماذج القسرية قد تلاشت ودفعت بهويات شبابية جديدة إلى الظهور وسط دهشة ونشوة مجتمع الشيوخ الذي كان يظن عدم نضج جيل الشباب.
جيلٌ يرى أن ما هو فيه حقير ويستحق الازدراء، وأنه فقد كل بُعد سام لوجوده، وطرحت فلسفة الحياة بالنسبة له سيناريو جذاباً يمكِّنه كتابة حياته فيه. هناك إرادة بالقطيعة مع النظام السياسي القائم، وإرادة بالانتفاضة ليتخلص من واقع مسطح تتراجع آفاق دلالته "فقدان معنى وجوده، اختفاء غاياته، فقدان حريته، أزمة المواطنة والمشاركة السياسية"، وليحقق رؤيته المتفائلة بإنسانيته وإمكانياته وقدراته على تطوير الأمور نحو الأفضل والعثور على أجوبة عن أسئلة الواقع المحيرة، وأن يجد مخرجاً أو باباً للخلاص من أزمة صنعتها الأنظمة وهي أزمة مزمنة مستعصية يتخبط بها.
جيلٌ يشعر بقدرته الكلية على سلوكيات المجازفة، بعد التساؤل كما تساءل "بو عزيزي وآخرون" فيما إذا كانت الحياة تستحق أو لا تستحق أنْ تُعاش، وأن هذه السلوكيات هي طريقه للتغلب على معاناة تهميشه، وطريق للوصول إلى توجهه الصاعد في الحرية بفضائلها، وفي النظام الديمقراطي التعددي بتكافؤ فرصه.
جيلٌ يملك الوعي بأنه، وتبعاً لصروف التاريخ، اضطُهد وظُلم وسُلبت حريته، ويملك الإرادة للتعبير عن نفسه بأن واجبه النضال من أجل إيجاد معنى البحث عن المستقبل "حريته"، ومن أجل نقل شرعية السيادة للشعب، وتحقيق التكافؤ بين الأشد قوة والأشد ضعفاً ليصبح الشعب قوة تحول سياسي واجتماعي بدءاً من ممارسات مشتركة.
جيلٌ ينتمي إلى منظومة من القيم المشتركة التي تحولت إلى رافعة للأفكار والأفعال، رفض الانتساب إلى التقاليد الحصرية، وكان عنده وعيٌ باقتسام الشروط ذاتها وبالتالي وجوب التنظيم من أجل النضال ضد الاستبداد، فانتفض لتحقيق هويته المختارة وليست المفروضة، هوية تسمح بممارسة الحرية وتشييد الشخصية، وانتفض لإنتاج نظام بدون طاغية، سعياً إلى تجنب مساوئ ما هو واقع والمضي بعيداً لمواجهة كافة المشكلات التي ولّدها النظام القائم والاستفادة من المميزات المتوقعة من تغييره، لحلها سياسياً واجتماعياً بنَفَسٍ من العدالة.
جيلٌ حاملٌ وعداً لوطنه وأمنيات بسيطة لشعبه (الحرية)، ومتصالحٌ مع الحداثة والرهان على مستقبل أفضل: (قبول الحوار السلمي في المجتمع، وقبول التعددية والاختلاف، ونبذ التحجر والتزمت حيث يكمن).
مما يقع في صميم فهم سبب الانتفاضات هو معاناة جيلٍ رفيع العزم، شديد الحرص، ملَّ من الصبر، وطال به الخوف ويريد الخلاص من أزمات دول السُلَط وتشابه ممارساتها، انتفض بعقلٍ اجتماعي جديد من أجل عقدٍ اجتماعي جديد، ومن أجل عهد جديد عقلاني ومستنير وإنساني لصالح قوى التقدم والمستقبل، ولإعادة السلطة إلى الدولة، وإعادة تأليف الهوية الوطنية في ظروف شديدة الاختلاف عمّا كان في بداية القرن المنصرم وأواسطه، وتشييد مساراته في الانتماء وجعلها متعايشة بشكل عقلاني.
لقد أصبح التغيير مفهوماً حاضراً بشكل متزايد في الخطاب الشبابي الذي رأى في الأفق شمساً تُشرق، وعلى الحاكم أن يدرك بأن التغيير أصبح قدراً, وأن ما فُرض على "الرعية" من أنماطٍ سلوكية بدأت تتحرك وتفلت من السيطرة المفروضة، وأنها لا تتفق مع المعايير الحداثوية. ومن هذا الإدراك يجب على الحاكم إظهار قيم من التسامح والعقلانية لردم أي شرخ بين القائم وبين ما يسعى إليه جيل الشباب، ولحل التوترات والاحتقانات، وألا يُمارس تيمات التمسك بموروث أصبح من الماضي وتتفوق على أطروحات الحداثة وسمات العصر الحاضر المتجسدة في منظومات من القيم "الحريات، الديمقراطية، التعددية السياسية، تداول السلطة سلمياً، حقوق الإنسان".
إن التشبث بالماضي يدخل حتماً في تناقض بين الانقياد والاستقلالية وفي تناقض مع التطور والتحديث، وإن الحاكمِ مالكُ الرؤية التقدمية للمستقبل هو من يجنب شعبه مأساة التكلفة الغالية لحريته، وبذلك سيذكره التاريخ بكلمات تؤبد ذكراه.
إن الحداثة وما فيها من مبادئ تحقيق للذات وتقدير لها من خلال الفعل، وما فيها من تمثل وتمايز وشعور بالتماسك والتنوع وتنمية الإحساس بالقيمة الشخصية ورهان على المساواة، والانضواء في نظام ديمقراطي معافى، هو ما يسعى إليه جيل الشباب، وإن نكران الحاكم الاعتراف بهذه الحقائق هو الجور والظلم بذاته.

هذا ما يجب إنجازه من قبل أي حاكم في النظام العربي، وإن المستعصي على الحداثة ما هو إلا من المستحاثات أو الطُرف النادرة.