سرّ المعنى العلوي.. من محمد بن نصير إلى جرح الهويّة اليوم

ريتا خير بك

أحيانا أشعر أن بعض الشباب العلوي اليوم يظنّون أن النساء العلويات خارج دائرة القراءة في دينهن، وأن صمتنا يعني جهلاً أو لا مُبالاة.
الحقيقة أن كثيرات منا يقرأن، ويفكرن، ويُبحِرن في النصوص والروايات والمدارس العرفانية، لكننا نحترم خصوصية هذا المذهب، وقسوة المرحلة، وأرى شخصيًا أن كشف التفاصيل العقائدية ليس هو المعركة الأهم الآن أمام الإبادة والتهجير والتكفير؛ ومع ذلك، هناك أشياء لا بدّ من قولها حين يُساء فهم الجذور والمعنى.
أولا: بين محمد بن نصير وأبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي يقارب القرن من الزمن؛ ابن نصير هو المؤسِّس الأول للتيار الذي سُمّي لاحقًا نصيريًّا علويًّا، رجل هامشي في عين السلطة العباسية، لكنّه كان في عين العارفين شرارة تمرّد ميتافيزيقي على المعنى المألوف للدين والتشيّع. أمّا الخصيبي فكان رجل مدرسة وتنظيم وكتابة في زمن الدولة الحمدانية، يفاوض على شرعية تياره ضمن لغة ذاك العصر: لغة الولاء لآل البيت والتشيع الإمامي، دون أن يذيب جوهر التيار الباطني الذي ورثه وطوّره. ثانيًا: التشيّع في القرن الثالث والرابع الهجريين ليس هو التشيّع الذي نعرفه اليوم في قم والنجف وبيروت؛ خرائط الكلام والفقه والسلطة تغيّرت جذريًا، ومعظم فقهاء الإمامية عبر القرون لم يعترفوا بالنصيرية لا كشيعة ولا كجعفرية، بل صنّفوهم في خانة «الغلو» والخروج عن الإسلام.
هذه حقيقة موجعة، لكنها جزء من تاريخنا، وهي التي تفسّر لماذا يُضطر البعض اليوم إلى لغة (نحن مسلمون جعفريون) بوصفها تقية ودفاعًا عن البقاء أكثر مما هي توصيف دقيق للبنية العرفانية التي نحملها.
ثالثًا: العلوية النصيرية ليست (فرعًا فقهيًّا)داخل الإسلام الظاهري بقدر ما هي تيار كونيّ يبحث عن الحقيقة؛ فيها من المسيحية مفهوم التجسد والمحبة والنور، وفيها من اليهودية مركزية العهد والسرّ والحرف، وفيها من الإسلام مفردات النبوة والولاية والتوحيد، وفيها من الفلسفة اليونانية طبقات الوجود والعقل والنفس والكوسموس. ليست صدفة أن يكون علي، في هذا التيار، ليس مجرد إمام أو رابع الخلفاء، بل «المعنى»: أوّل تجلٍّ للنور، ميزان الوجود، الصديق والفاروق قبل أن تُسرق الألقاب وتُعلّق أوسمة على صدور رجال سياسة.
من هنا أقول: العلوية النصيرية أعادت تفكيك الاسم والمعنى؛ الإسلام بوصفه شريعة ظاهرة، حلالًا وحرامًا، جنةً ونارًا، لا معنى له في هذه المدرسة من دون الباطن: من دون مقامات التجلي، والتحلّي، والتناسخ و الرجعة، وسير النفس في مدارج النور. ما يُقال في الفيديوهات عن الجسد والمعنى، عن الجنة والنار بوصفهما حالات وجود لا مجرّد جغرافيا أخروية، عن الامتحان المتكرّر للنفس، ليس افتراءً على المذهب بل هو قلبه وروحه.
من حقّ كل فرد علوي اليوم أن يختار لغته وهويته: أن يقول (انا مسلم جعفري) أو (أنا علوي خارج الإسلام) أو «أنا ابن طريق باطني مفتوح على كل الأديان»؛ هذه حرية ضمير لا ينازع فيها أحد.
لكن ليس من حقّ أحد أن يمحو تاريخ تيار كامل عاش قرونًا على تخوم التكفير والمجازر، ويختزله في ملحق فقهي ضيّق إرضاءً لعين فقيه أو دولة أو جمهور معولم.
الشرف، في نظري، ليس أن أربط حياتي باسمٍ كان ولا يزال ساحة نزاع بين فقهاء وسلاطين، بل أن أُعيد للمعنى حقّه: أن أقول إن هذا التيار تشكّل على هامش الإسلام الرسمي، وضدّه أحيانًا، وأنه أعاد قراءة النبوة والولاية والوحي والجنة والنار بلغة أخرى، وأنه رفض حبس علي في لقب سياسي أو حدود مذهب.
وسط ما نعيشه اليوم من إبادة متواصلة وفتاوى قديمة تُبعث من رُقادها لتبرير دمنا، أفهم دوافع التقية وأحترم اختيارات الأفراد، لكنني أرفض أن تتحوّل هذه التقية إلى رواية رسمية عن الذات تمحو جرأة المؤسس الأول. لهذا، يظلّ في قلبي حبّ عرفاني لمحمد بن نصير أبي شعيب: ذاك الرجل الذي تجرّأ أن يرى الدين والإنسان والعالم بشكل مختلف، فدفع ثمن جرأته اتهامًا وتشويهًا، لكنّ بذرة ما قاله بقيت حيّة في قلوب العديد من الرجال والنساء، من بينهم أنا.
نحن لسنا ظلالًا جاهلة لرجال يتكلمون باسمنا؛ نحن نقرأ، ونفكر، ونعرف تمامًا من أين جئنا وإلى أي معنى ننتمي.