وهذه (القاف)
عبد الكريم الناعم
لفتَتْني المساحة الكبيرة التي أخذتْها مسألة (القاف)،- أتحدّث عنها بعيداً عن مناسبتها التي لا تخلو من دلالات، بعضها قديم، وبعضها آنيّ، وهي رغم الاختلاف في طريقة تناولها عُمْقاً وسطحيّة، فيها حمولات طبقية، ومَناطقية، وأضاف عليها البعض، -بحكم فوران مُعيّن، للأسف،- نكهة ضيّقة، أخجل من ذكرها، ولا شكّ أنّكم عرفتموها،
في بعض كتابات لي، وخلال الكلام عن الفولكلور،.. نشرتُ بعضها، تعرّضتُ للفظ (القاف)، والتي تلفظها مدن بعينها (آفا)، وأرجعتُ ذلك إلى أسبابه، وبيّنتُ أنّ المدن التي تلفظها (آفاً) هي حلب، وحماة، وحمص، ودمشق، واللاذقية، وبعض جبْلة، وبعض طرطوس، وقليلا في أرياف بعض المدن السورية، وطرابلس لبنان، وبيروت، وعدد من المدن الأخرى فيها، وحتى في مساحة من الأرياف اللبنانيّة، ويشمل هذا مدن مصر الكبيرة، ومدينة واحدة في الجزائر هي: "تلمسان"، أمّا بقيّة المساحات العربيّة فهي إمّا أن تلفظها (قافاً) أو (قافاً بدويّة) وهذا يشمل المساحة الأكبر، ولفظ (القاف) (آفاً) سببه أنّ غير العرب كان يصعب عليهم نُطقها فصيحة، فاختاروا ما هو أسهل عليهم، وفي أزمنة ما، كان حكّام المدن من هؤلاء، وكما تعلمون فالأدنى يقلّد من هو أعلى، فشاع ذلك في المدن.
مما دفعني لهذه الكتابة أمر لا يخلو من طرافة، في زمن افتقدنا فيه أن نحسّ بما هو طريف، أو فيه نفحة من البهجة، لِغَلَبة المجريات القاتمة على ما عداها،
في منتصف ستينات القرن الماضي، تداول الأدباء السوريون في مجالسهم ما سمعوه من القاص الراحل المعروف سعيد حورانيّة، فقد روى أنّه دعاه أحد الأصدقاء من جبال الساحل لزيارته، وبقي عنده عدّة أيام، فقال بطريقته في الرواية: "يا أخي عجيب أمر أهل تلك الجبال، تصوّروا، شاهدتُ طائراً صغيرا جميلا أذا طربتَه بحرف (قاف) يموت، وهم يسمّونه (قِرْقْفان).
جنّب الله بلدنا (الافات)، وحماه ممّا يُحاك له في الخفاء والعلن، وأنزل شآبيب رحمته على تلك النيران التي لا تفرّق بين (قاف) وآف)، وجمع القلوب على ما تتحقّق فيه كرامة الانسان، واحترام حريّته التي وهبها الله له في البدء، ليكون مسؤولا عن اعماله،"إنّا هَديْناهُ النّجْدين، إِمّا شاكراً وإمّا كفورا"-قرآن كريم_...