المرحلة الانتقالية والمشروع الوطني الجامع
مروان حبش
سوريا ما بعد الأسد، بين ضياع الفرصة وإمكانات المشروع الوطني الجامع
عقب سقوط نظام الأسد الإين، كان يُفترض أن تدخل سوريا مرحلة انتقالية حاسمة تمهّد لبناء دولة مواطنة ديمقراطية تُنهي عقوداً من الاستبداد والحرب والتفكك الاجتماعي. وتختلف من حيث البنية الذهنية والسلطوية عن النظام البائد وأن الآمال العريضة التي علّقها السوريون على هذا التحول، لا يجوز أن تتآكل شيئاً فشيئاً، بعد أن اختارت السلطة الجديدة مسارًا أقرب إلى "حكم الضرورة"، وشرعت في تقاسم السلطة بين الفصائل المسلحة، مغلقةً أبواب السياسة، ومكرّسةً لواقع جديد.
في هذا السياق، فإن اللحظة التي توفرت فيها عناصر شبه الإجماع الداخلي والدعم الخارجي لبناء مشروع وطني جامع، لا يجوز تبديدها في متاهات المصالح الفئوية، وأوهام الغنيمة، ولا يجوز أن تغيب الرؤية الوطنية الشاملة لصالح معارك النفوذ وإعادة إنتاج أساليب القهر والانتقام بشكل مغاير.
منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام السابق، كان على السلطة الجديدة أن تدرك أن نجاحها لا يكمن في السيطرة العسكرية أو احتكار السلطة، بل في قدرتها على تحقيق:
-إعادة بناء مؤسسات الدولة، وأهمها مؤسسة الجيش ومؤسسة الأمن على أسس وطنية جامعة لكل مكونات المجتمع السوري.
-العدالة الانتقالية التي تضمن معالجة الانتهاكات وتفتح المجال أمام المصالحة.
-إعادة الثقة بين المكونات السورية التي عانت من سنوات طويلة من الانقسام والاقتتال.
-تجنيب البلاد السقوط في مستنقع الفوضى والتشظي السياسي والمجتمعي.
غير أنه لا يجب أن يسير الواقع بعكس ذلك. ولا أن تنشغل السلطة بخطابات النصر والغنيمة، بديلاً عن التخطط وإعادة بناء الدولة ومعالجة الأزمات الهيكلية التي فجّرها الصراع.
أُغلقت أبواب السياسة، وتراجعت فرص المشاركة الوطنية، وحلّت مشاعر الخوف والشك والمظلومية محل الأمل والانتماء. وبدل أن تُبنى دولة المواطنة، تشكّلت كيانات ذات طابع جهوي أو أيديولوجي أو طائفي، تُكرّس الانقسام وتعزّز الحواجز النفسية والجغرافية بين أبناء الوطن الواحد.
رغم توفر بعض العوامل الإيجابية عقب سقوط النظام السابق، مثل: شبه إجماع داخلي على ضرورة التغيير. ورغبة دولية وإقليمية في دعم الاستقرار. ورهان شعبي واسع على بناء سوريا جديدة. ورغم جهود السلطة الانتقالية إل أنها لم تنجح في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة تاريخية. والسبب يعود إلى:
- غياب الرؤية الوطنية الجامعة، إذ لم يكن هناك تصور واضح لسوريا المستقبل، ولا عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
-منطق الغلبة لا الشراكة حيث تعاملت القوى المنتصرة بمنطق المنتصر والمهزوم (من يحرر يقرر)، لا بمنطق الشراكة والمواطنة، ما ولّد شعوراً بالغبن لدى شرائح واسعة.
-استمرار عقلية الأمن والوصاية، بدليل الأساليب التي أدارت بها السلطة شؤون البلاد، وتوظيفها بشكل أكثر تفتتاً وانقساماً.
لكي تخرج سوريا من هذه الحالة، وتؤسس لدولة قادرة على استعادة دورها ووحدتها، لا بد من صياغة مشروع وطني حقيقي وجامع، يرتكز على المبادئ التالية:
أولاً: إقامة حكم انتقالي ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية. كما ورد في قرار مجلس الأمن 2254
ثانياً: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وإنشاء هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية يتمثل في عضويتها من كل مكونات الشعب، تضمن المحاسبة وجبر الضرر والاعتراف بالضحايا. وفتح أرشيف الانتهاكات وتوثيقها بطريقة شفافة. وإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة عبر مؤتمر وطني يشارك فيه ممثلون عن جميع المكونات.
ثالثاً: عقد اجتماعي جديد، وصياغة دستور جديد، يعبّر عن تطلعات كل السوريين، ويؤسس لدولة مواطنة ديمقراطية. وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات. وتبنّي نظام لامركزي إداري واسع الصلاحيات يضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والموارد.
رابعاً: نزع السلاح، ووضع خطة شاملة لحصر السلاح بالدولة، ودمج من يمكن من حامليه في المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية وفق معايير مهنية. وحظر تشكيل أي ميليشيات خارج إطار الدولة.
وضمان وجود جيش وطني موحد يشمل من كل مكونات الشعب، ويعمل تحت سلطة مدنية منتخبة.
خامساً: بناء مؤسسات دولة قوية ومحايدة، وإصلاح القطاع القضائي ليكون مستقلاً ونزيهاً. وبناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية لا طائفية أو إثنية وتعزيز مؤسسات الرقابة والمساءلة وفق متطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية.
سادساً: ضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان واحترام حرية التعبير والتنظيم والتجمع. وحماية الحقوق الثقافية والاقتصادية للجماعات الدينية والإثنية. وسن قوانين تجرّم التمييز والعنف والكراهية.
سابعاً: إنعاش الاقتصاد وإعادة الإعمار بإطلاق خطة وطنية لإعادة إعمار البنى التحتية المدمرة. وتحفيز الاستثمارات وخلق فرص عمل. ومحاربة الفساد كشرط أساس لبناء اقتصاد مستقر.
إن بناء سوريا ما بعد النظام البائد يجب أن يبنى على المشروع الوطني الجامع بمشاركة جميع السوريين في مؤتمر وطني شامل، لصياغة حاضرهم ومستقبلهم.
إنها لحظة تاريخية، يجب أن تُستثمر في فتح طريق جديد نحو دولة المواطنة والكرامة، وأن لا تضيع لتَدخُل البلاد في نفق جديد من القهر والانقسام. وبين الخيارين، يكمن الفارق بين الفرصة الناجحة والفرصة المهدورة.