محاولة في فهم الحالة السورية

علي بدر

 منذ نشأة الدولة السورية الحديثة، تكون مفهوم الشرعية على قاعدة مدينية، دمشق كانت العاصمة الرمزية والسياسية، وحلب المركز التجاري والبرجوازي، وحمص وحماة مراكز تقليدية للنخب السنية. وأن كل الرموز الثقافية والسياسية الكبرى كانت تنتمي للمدن: الصحف، الأحزاب، الجامعات، المدارس الكبرى، النقابات، البرلمان، المسرح، الفكر. حتى في زمن الانتداب الفرنسي، كان التفاوض على الاستقلال يدار من صالونات دمشقية، كما خرج القوميون والبعثيون والاشتراكيون من نخب المدينة.
في المقابل، كانت الهوامش السورية (الريف، البادية، الجبال، الأطراف) تعيش في حرمان متعدد الأبعاد: فقر اقتصادي، نقص في البنى التحتية، تهميش سياسي. وقد بدت المدن، في عين الريف، مراكز ترف وسلطة وازدراء صامت. إذ لم تمنح الدولة للريفي سوى الخدمة العسكرية، ووظائف متدنية، أو الأمل في التهريب والهجرة.
لكن هذا الريف لم يكن كتلة واحدة في الحقيقة، بل انقسم إلى أرياف أقليات: مثل علويي الساحل، وإسماعيليي السلمية، ودروز السويداء. وهؤلاء – رغم تهميشهم الطبقي – كانوا أكثر قربا من الحراك المدني والحداثة السياسية، خاصة بعد دخولهم الجيش والوظيفة العامة، وتلقيهم تعليما حديثا. وهنالك أرياف سنية: وخصوصا في إدلب، الريف الحلبي، دير الزور، ريف درعا، وريف حمص. هذه المناطق بقيت خارج الدينامية المركزية للحداثة السياسية، أو دخلتها من بابين فقط: التعليم الديني، والجيش. ولم يكن لديها أي مشروع سياسي خاص، بل ارتبطت إما بالبعث أو بالإسلام السياسي أو بالبنية العشائرية.
لقد كان حكم البعث، خاصة منذ العام 1963، في ظاهره اشتراكيا ومناهضا للبرجوازية المدينية، لكنه في الحقيقة أعاد تشكيل الدولة عبر ادماج الريف الاقلياتي في النخب المدينية وبالرغم من قيم الولاء والعسكرة لكنه تمكن من إدماج الهامش الاقلياتي مع النخب السنية الدمشقية والحلبية، وركزها في المدن التي تحولت إلى مساحات مراقبة، لكن بقيت في خيال الريف رمزا للترف، للسيطرة، وللتعالي الرمزي.
وحين انطلقت الثورة عام 2011، كان معظم زخمها البشري من الريف: درعا، دوما، معرة النعمان، إدلب، تلبيسة، دير الزور، الرستن... أما المدن الكبرى فقد بقيت مترددة، منقسمة، أو صامتة. وقد شعر الريف ـ المحروم من المشاركة السياسية والاقتصادية لعقود ـ أن اللحظة جاءت لتحطيم "المركز"، لا فقط النظام، بل فكرة المدنية نفسها.
في لحظة الانكسار، لم يجد الريف عقيدة سياسية قادرة على تأطيره. فدخلت السلفية الجهادية ليست لأنها خيار روحي، بل لأنها أداة تحطيم شاملة. كانت اللغة الوحيدة التي تعطي للغضب شكلا، وللعنف معنى، وللثأر مؤسسة. إذن لم تكن الثورة فقط تمردا سياسيا، بل كانت ثأرا رمزيا للهامش. المدن الكبرى ترددت، تراجعت، أو سكتت. الريف وحده خاض المعركة. وفي صراعه مع النظام، لم يعد يطلب فقط إسقاط السلطة، بل أراد تحطيم المركز كله: رموزه، لغته، تاريخه، حداثته.
إن الثورة التي بدأت بشعارات الحرية، تحولت تدريجيا إلى براكسيس عنيف، مدمر، سلفي، لأن المدنية ارتبطت بالطبقة التي خانت الثورة أو لم تنضم لها. وقدمت السلفية الجهادية "لغة بديلة" عن لغة المدن: لغة النار والسيف، لا التفاوض والصحافة. وأعيد تعريف العدالة الثورية عبر العنف، لا عبر المؤسسات. فالسلفية الجهادية التي اجتاحت المناطق الثائرة ليست أيديولوجيا دينية بل أداة تحطيم للرمز المديني: الآثار، المسارح، النساء غير المحجبات، المدارس المختلطة، الفكر النقدي. إنها لغة جديدة للهامش، لا تطلب الاعتراف من أحد، بل تفرضه بقوة السلاح. فصارت عقيدة براكسيسية والفعل هو (العنف، الهدم، التصفية) هذا هو المعنى، لا البرنامج أو النظرية.
إن السلفية الجهادية هي أيديولوجيا محرومة من اللغة السياسية، لكنها غنية بالحدية واليقين. ومن خلالها، يجد الريفي نفسه سيد اللحظة: يقتل لا ليحكم، بل ليزيل العالم القديم. يدمر لا لبناء دولة، بل لإعلان نفي المركز. يبايع لا على دستور، بل على راية سوداء تسحق الكلمات. وهكذا، يستبدل المعنى بالدم، والفكر بالذبح، والمدن بالمبايعات. المفارقة أن المدن لم تهزم عسكريا فحسب، بل انهزمت رمزيا. أصبحت مدنا خاوية، لا تصدر معنى، بل صمتا. المثقف المديني فر، أو صمت، أو دخل في منفى داخلي. الصحف، المنتديات، المسارح، أطفئت أو استبدلت بشاشات الوعد بالجهاد. فالريف الذي دخل المدن ليس ليستوطنها بل ليدمرها كفكرة. ويحل محلها معسكر أو مسجد أو سوق سوداء. حتى اليوم، نجد أن الثورة السورية تروى بلسانين: لسان مديني: يتحدث عن الحرية، الدولة، العلمانية، الديمقراطية. لسان ريفي–جهادي: يتحدث عن الفتح، الشريعة، السقوط والانتصار. وهذا الازدواج يعكس الانقسام الأعمق بين تصورات الهوية السورية: هل سوريا مشروع مديني–حداثي؟ أم ثأر ريفي ضد مدينة مستكبرة ومتواطئة؟ ما يحدث في سوريا ليس مجرد صراع سياسي، بل هو أزمة حضارية– سوسيولوجية بين: مدينة لها تاريخ رمزي طويل، لكنها خانعة، مشلولة، مأزومة طبقيا وفكريا. وريف دفع الثمن الأكبر، فأراد أن ينتقم من المعنى نفسه، لا فقط من النظام، وتحول إلى قوة تدمير مضادة للمدينة، للحداثة، وحتى لفكرة الدولة.