كيف انتشرت اللغة العربية؟

بشّار عباس

ولماذا انتشرت آلاف الكيلومترات غرباً بينما لم تقطع مئات الكيلومترات إلى الشمال أو الشرق من الجزيرة العربية؟
من المعروف أن المنطقة العربية التي تمتد اليوم من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، احتضنت قديماً أعظم حضارات العالم القديم في مصر واليمن والبحرين والعراق وبلاد الشام والمغرب العربي، وكانت اللغات المستخدمة في تلك المنطقة الواسعة القديمة متقاربة، وتتضمن اللغات العربية والآرامية والكنعانية والحميرية والقبطية والأمهرية والأمازيغية، وقد أطلق عليها المؤرخون واللغويون الأوربيون في القرن الثامن عشر اسم اللغات السامية، فيما يقترح علماء عرب تسميتها مجموعة اللغات الآسيوية الإفريقية، وتختلف هذه المجموعة عن مجموعة اللغات الهندو أوربية اختلافاً جذرياً، فالأولى ذات بنية اشتقاقية بينما الثانية بنيتها تركيبية.
ولذلك لم تنتشر اللغة العربية شرقاً أو شمالاً في المناطق التي تتحدث لغات هندو أوربية.
ومن الواضح أن تقارب اللغات العربية القديمة (أو اللغات العربية الأفريقية) لم يكن محض صدفة، فقد سكنت هذه المنطقة أقوام ذات لغات متقاربة جداً وقد زاد التبادل الواسع بين هذه المناطق من التقارب بين لغاتها ولهجاتها، وقد سادت في بداية التاريخ اللغة الآكادية التي أصبحت لغة التعامل الرسمي بين الدول من إيران وحتي جنوب مصر ثم سادت اللغة الآشورية ثم الآرامية قبل ظهور الإسلام، وتوجد نصوص رسائل وجدت في مصر القديمة بهذه اللغات مما يؤكد أنها كانت لغات التواصل الدولي.
ومن الأقوام القديمة نذكر العموريين (ماري) والكنعانيين (أوغاريت، صيدا، صور، بيروت، غزة، أورسالم، جبيل، شكيم) والآراميين (دمشق، حماة) وعرب الجنوب وهم عرب (معين وسبأ وحمير) وكذلك الأنباط والثموديون واللحيانيون والحضرميون والمناذرة والغساسنة، ثم قلب العروبة قريش التي صهرت كل هذه الثقافات والحضارات القديمة في بوتقة لغتها وثقافتها بعد الإسلام.
هذه المنطقة بأكملها كانت منطقة واحدة منذ فجر التاريخ، ولا ننسى أن مصر القديمة كانت تَخضَعُ لنفوذ الشرق حيناً، وتُخضِعُ الشرقَ لنفوذها أحياناً أخرى ، كما لا ننسى أن مصر القديمة تأثرت كثيراً باللغة الآرامية التي كانت لغة دولية للتجارة والإدارة تتفاهم بها شعوب متنوعة تقطن مساحات واسعة تمتد من وادي النيل غرباً حتى بلاد فارس شرقاً، وقد عُثِرَ على عدة وثائق في مصر مكتوبة باللغة الآرامية كتبها حاكم مصر، إلا أن سيطرة اللغة الآرامية لم تنحصر في المراسلات الرسمية الحكومية، بل تغلغلت أعمق من ذلك، فقد عُثِرَ على مسلات جنائزية في مصر تحمل نقوشاً آرامية، وهذا يدل على أن الآرامية لم تنحصر في كونها لغة التجارة والدواوين الرسمية فقط بل أصبحت كذلك لغة الثقافة، ولذلك نجد أن الشكل الأخير للغة المصرية القديمة الذي كان سائداً في مصر لحظة ظهور الإسلام كان قريباً من اللغة الآرامية وبالتالي العربية، فقد كانت بنية اللغة اشتقاقية ولم تكن تركيبية. وكان العامل الأساسي لانتشار اللغة الآرامية في ذلك الوقت هو أن السلطة المركزية في الإمبراطورية الأخمينية قد تبنّت هذه اللغة، لغةً رسميةً لوثائق الدولة والتجارة، ذلك أنها وجدت أن هذه اللغة هي الأوسع انتشاراً والأسهل تداولاً بين شعوب المنطقة، ومن المعروف أن اللغة العربية هي أقرب اللغات إلى الآرامية، وأنها أصبحت فعلاً وريثتها الحقيقية.
علينا ألا ننسى تأثير الهجرات اليمنية المتعاقبة إلى مصر والمغرب العربي منذ فجر التاريخ وكذلك تأثير إمبراطورية قرطاجة، التي سيطرت على شمال أفريقيا والبحر المتوسط بقوتها العسكرية والتجارية المتميزة، وفي رأينا أن ذلك كله أسس لتقارب كبير بين هذه اللغات والحضارات جميعاً.
إن الفينيقيين الذين أسسوا إمبراطورية قرطاجة في تونس وسيطروا على منطقة كبيرة من الشمال الأفريقي، إنما أسسوا في الوقت نفسه أقوى رابط تاريخي قديم يربط مشرق الوطن العربي بمغربه..
حين جاء الإسلام كانت هذه المناطق تتحدث بلغات مختلفة، وإن كانت متقاربة، فكان له أثر عظيم في اندماج هذه المناطق باللغة العربية، ولم يقتصر ذلك على البلدان خارج الجزيرة العربية، ففي داخل الجزيرة نفسها كانت القبائل العربية تتحدث بلغات أو لهجات مختلفة، اندمجت بعد الإسلام بلغة قريش، فاستطاع الإسلام أن يصهر كل هذه اللغات والحضارات القديمة، المختلفة والمتنوعة، في بوتقة حضارية واحدة، ولم تكن عملية التوحيد والانصهار قسرية أو عنيفة، بل جاءت لتحقق التكامل بين أفضل العناصر الموجودة في هذه الحضارات القديمة، فوجدت هذه البلدان في الحضارة العربية الإسلامية استمراراً لحضارتها واستكمالاً للمعرفة والعلوم التي قدمتها للبشرية. ولم يأتِ الإسلام قاهراً لهذه الحضارات بل شجع على التعلم منها، فقد قامت حركة ترجمة واسعة من اللغة الآرامية إلى العربية كان من شأنها نقل كامل موروث الحضارات القديمة إلى اللغة العربية، بما في ذلك الفكر اليوناني المترجم سابقاً إلى اللغة الآرامية.