من ذكريات الزمن الديمقراطي الجميل
صفوان زين
كعادتنا بالتسكع مساء كل يوم في شهر الامتحانات الجامعية، توجهتُ وصديقي لؤي الى الصالحية الشارع النابض بالحياة في تلك الأيام.
أمام البرلمان لفتت نظرَنا جلبةٌ وضوضاءُ سياراتٍ رسمية، علمنا انها جلسة لنواب الأمة، دفَعَنا الفضول لأن نحضرها، كانت المرة الاولى والأخيرة التي نحضر فيها جلسةً برلمانية، كما كانت فرصةً ونحن طلاب حقوق لأن نشهد على ارض الواقع كيف يعمل نظامنا الديمقراطي البرلماني في ظل دستور العام ١٩٥٠(كان اول وآخر دستور تضعه وتقرّه جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب لهذا الغرض).
توجَهنا مباشرةً الى القاعة الرئيسية (لا اذكر انه اعترضتنا أية حراسات من أي نوع)، من بعيد ترامى إلينا صوتٌ جهوري يدوي في ارجاء البناء، ما ان دخلنا القاعة واتخذنا أماكننا بين المتفرجين في الطابق العلوي حتى تبين لنا بأن صاحب الصوت الجهوري لم يكن سوى النائب الشيوعي الذائع الصيت خالد بكداش احد نجوم برلمان ١٩٥٤ /١٩٥٨.
معظم النواب كانوا مشاركين في تلك الجلسة العاصفة، كان بمقدورنا ان نتعرف الى العديد من الوجوه، منهم بعض أساتذتنا في كلية الحقوق كمعروف الدواليبي وعبدالوهاب حومد ومأمون الكزبري، ومنهم نواب لاذقية ذلك الزمن اسعد هارون (كان يجلس بين الوزراء بوصفه وزيراً للصحة) ونوفل الياس ووهيب الغانم، ثم الوزراء في المقاعد المخصصة للحكومة في صدر القاعة يتوسطهم رئيس مجلس الوزراء صبري العسلي والى يمينه وزير الخارجية صلاح البيطار.
كان الموضوع المطروح للنقاش هو مناقصة إنشاء مصفاة للنفط في حمص بوصفه موضوع الساعة، كنّا في العام ١٩٥٦ في أوج الصراع على سوريا وفي سوريا، وهو الصراع الذي سرعان ما انعكس تنافساً حادّاً للفوز بعقد المصفاة.
كان اليسار مدعوماً من خالد العظم وكتلته ومن الجيش من طرف خفي متحمساً للعرض التشيكي، في حين ان اليمين كان يضمر رغبةً بأن تُبنى المصفاة من قبل شركة غربية وعلى الأرجح أمريكية دون ان يجرؤ على الإفصاح عن رغبته امام موجة التأييد الشعبي الجارف للانفتاح على المعسكر الاشتراكي، وهو الانفتاح الذي بدأ عملياً في العام ١٩٥٥ مع صفقة الأسلحة التشيكية مع مصر أولاً ومع سوريا ثانياً.
أعود الى الصوت الجهوري للنائب خالد بكداش والى هجومه العنيف على شركات النفط الغربية "الاستعمارية الإمبريالية الاستغلالية الاحتكارية" وأنا هنا استعمل النعوت والأوصاف كما تدحرجت على لسانه وكما هي عالقة في ذاكرتي الى اليوم، وكان يساعده بأوصاف ونعوت مماثلة ومكمّلة ومن ذات العيار الثقيل وعلى سبيل الدعابة والمزاح رئيس مجلس النواب ناظم القدسي بالرغم من التباين في مواقعهما السياسية.
تحدث أيضاً عدد من النواب بين مؤيد ومعارض دون ان يرقى أيٌّ منهم الى مستوى خالد بكداش في خطابه الشعبوي، انتهت الجلسة دون الوصول الى نتيجة حاسمة (ذهبت المصفاة بالنتيجة الى شركة تكنو اكسبورت التشيكية التي كانت صاحبة العرض الأدنى سعراً)، كان الجوع قد استبد بنا، كان أمامنا ثلاث خيارات جميعها قريبة جداً من البرلمان، إمّا المطعم الصحي حيث الفتّات والسقطات، أو مطعم بريمو حيث المشاوي والمقبلات، أو بقالية بركات وساندويشة القشقوان، وقع الاختيار على ساندويشة القشقوان وهي اضعف الإيمان والأدنى سعراً (نصف ليرة سورية)، عدنا أدراجنا الى مكان إقامتنا وعبارات خالد بكداش لا زالت ترن في آذاننا، طالعتنا صحف صباح اليوم التالي بنبأ اكتشاف ما أُسميَ بمؤامرة 'ستون' لقلب نظام الحكم في سوريا (نُسبت الى الكولونيل ستون الملحق العسكري في السفارة الأمريكية في دمشق) والتي تورط فيها وفقاً للأنباء المتداولة وقتذاك مجموعة من السياسيين السوريين على رأسهم منير العجلاني استاذنا في الحقوق الدستورية وعدنان الأتاسي وسواهما، أصبنا بالصدمة ان يكون من عُرف عنهم تعلقهم الشديد بالنظام الديمقراطي قد تورطوا في مؤامرة للإطاحة بهذا النظام.
منذ مؤامرة إنشاء إسرائيل في العام ١٩٤٨ والمؤامرات تتوالى على بلادنا بوتيرة اختلط فيها حابل المؤامرة الحقيقية بنابل المؤامرة المفبركة.
في المحصلة المؤامرة الوحيدة التي تبدو مؤكدة هي مؤامرة ترسيخ نظرية المؤامرة في العقل السياسي العربي، هنا حققت نظرية المؤامرة اكبر قدر من النجاح، كانت وبالاً على هذا العقل اذ اعفتهُ من التفكير وبالتالي من التدبير.