موكب الصمت.. مراسم دفن الأمير كريم آغا خان

علي بدر

استوقفني موكب الصمت: ومراسيم دفن الامير كريم آغا خان الرابع، وهو الإمام التاسع والأربعون للطائفة الإسماعيلية النزارية، في ظهيرة صعيدية حمله مركب ابيض في النيل محاطا برجال نوبيين، يُحمل إلى مدفنه في أسوان، حيث اختار أن يكون مثواه الأخير بجوار ضريح جده، السلطان محمد شاه، على ربوةٍ تطل على النهر، فقد رفع التابوت المغطى بوشاح أخضر ببطء على أكتاف رجال نوبيين، بلباسهم الأبيض وأذرعهم السمر، يسيرون كما لو أنهم يحملون سرًا قديمًا، لا جسدًا فانٍ.
لم يكن هذا التابوت سوى صورة مُكثفة لجغرافيا العقيدة، يختزل آلاف السنين من الهروب من المركز، من بغداد إلى آلموت، ومن القاهرة إلى جبل آلبورز، ثم إلى وادي النيل، حيث لا يعلو صوت على خرير الماء.
يقف ضريح الآغا خان ككتلة حجرية صارمة، صامتة، لكنها مشحونة بالمعنى الباطني، كأنها تُعيد إنتاج ما تسميه الإسماعيلية بـالعالم التأويلي. ليس في الضريح زخرفٌ ولا خيلاء؛ بل هو شكلٌ معماري قائم على التجريد، يوحي أن الجسد ليس المركز، بل الظل؛ وأن الإيمان، كما يقول دعاة الإسماعيلية، مستقر في العقل لا في الطقس.
البناء، من الحجر الوردي النوبى، يحاكي النُصب الجنائزية الفرعونية، لا المساجد. لا مآذن، لا قبب مزخرفة، بل تواطؤ كامل بين الشكل والسكينة. إنه قبرٌ ينتمي إلى مدرسة السكوت العالي، حيث المعنى لا يُنطق، بل يُلمَح.
لماذا أسوان؟ لأنها – من حيث لا يدري المركز – الضفة الأخرى للزمن، حيث تتراجع الدولة وتبدأ الحكمة. الآغا خان، الذي كان يُمكنه أن يُدفن في جنيف، باريس، طهران، أو حتى كاراتشي، اختار أن يُدفن هنا، في الجنوب المَنسِي من خريطة السلطنة، وفي قلب الجغرافيا الصامتة التي أحبّها.
أسوان ليست اختيارًا جماليًا فقط، بل تصوّرًا رمزيًا للهروب من الفقه إلى الصخر، من الدولة إلى الماء، من السلطة إلى الصمت. الإسماعيلية في الضريح: المذهب وقد أصبح هيئة معمارية في هذا المدفن، تُختزل عقيدة بأكملها. الإسماعيلية التي قامت على التأويل العقلي، ورفضت الظاهر لصالح الباطن، تنقل تلك الرؤية من مستوى الخطاب إلى المادة: لا توجد خطبة هنا، بل طوب. لا منبر، بل مستوىً منحدر نحو السماء. لا محراب، بل اتجاه واحد: الصمت.
الضريح هو لغة إسماعيلية صامتة، تقول: لسنا في خصومة مع المركز، لكننا لسنا منه. العودة إلى الصمت: فكرة ما بعد الإمامة.