سوريا ومعضلة بناء الجيش الوطني

مروان حبش

في قلب أي مشروع لبناء دولة حديثة، يقف الجيش الوطني كأحد أهم ركائز السيادة، والحارس الأول لوحدة الأرض والشعب. غير أن المشهد السوري الراهن يقدّم معضلة حقيقية في هذا السياق: كيف يمكن الحديث عن "جيش وطني" في ظل تعدد الفصائل المسلحة، بعضها متشدد الطابع أو عابر للهوية الوطنية، ويعضها ينشط خارج سلطة الدولة، ويخضع لارتباطات إقليمية متشابكة؟
إن بناء جيش وطني يبدأ من بناء الدولة نفسها، الدولة التي تساوي بين مواطنيها، وتحكمها شرعية مدنية ودستورية. أما الاستمرار في الرهان على الفصائل أو دمجها دون معالجة جذورها الفكرية والتنظيمية، فهو مجرد إعادة إنتاج للفوضى، بثياب مختلفة. لأن بناء جيش وطني احترافي يُعدُّ أحد أبرز شروط قيام دولة مستقرة وقادرة.
الجيش الوطني، كما يُعرّف في أدبيات بناء الدولة، هو جيش عقيدته الولاء للوطن والدستور، لا لفصيل أو قائد أو تيار أيديولوجي. هو جيش احترافي، يخضع لسلسلة قيادة واضحة، ويتحرك ضمن استراتيجية دفاعية تُراعي مصلحة الدولة، لا مصلحة السلطة الحاكمة أو الممول الخارجي. لكن النموذج الفصائلي الذي نشأ في سوريا، خصوصًا بعد 2011، يذهب في اتجاه معاكس تمامًا لهذا المفهوم.
فمع ظهور فصائل تحمل طروحات دينية متشددة، وأخرى ترفع شعارات "جهادية" أو "تحريرية"، بدأت تتشكل سلطات موازية على الأرض، تفرض نماذج حكم محلية وتؤسس "جيوشًا" صغيرة. إن المشكلة هنا ليست فقط في الطابع التكفيري أو غير الوطني لبعض هذه الفصائل، بل في عقليتها الغنائمية، التي ترى في السلاح وسيلة للتمكين، لا مسؤولية وطنية.
كما أن بعض هذه الفصائل بات خاضعًا لأجندات دول إقليمية، يُستخدم كورقة تفاوض أو أداة صراع بالوكالة. هذه الولاءات الخارجية تضرب في الصميم أي محاولة لتوحيد السلاح تحت راية وطنية جامعة، وتُبقي الفصائل أسيرة التمويل الخارجي بدل الانتماء الوطني. وتنفذ أجندات تتناقض مع مشروع الدولة الوطنية الجامعة. كما أن الثقافة السائدة فيها – ثقافة "الفتح" و"الغنيمة" – تُنتج مقاتلين أقرب إلى "المحاربين" منهم إلى الجنود .هؤلاء لا يعرفون الانضباط العسكري، ولا يعترفون بالتراتبية المؤسساتية، ما يجعل فكرة دمجهم في جيش وطني مهمة شبه مستحيلة من دون إعادة تأهيل شاملة.
إن محاولات توحيد هذه الفصائل في تشكيلات تحت اسم "الجيش الوطني" قد تفشل في تجاوز طابعها الفصائلي، لأنها لم تترافق مع تغيير جذري في العقيدة العسكرية، أو في الثقافة التنظيمية. فلا يمكن إنتاج جيش وطني من تشكيلات ترى نفسها في حالة "فتح" دائم، وتُمارس منطق السيطرة والغنيمة بدل منطق القانون والمؤسسة.
الجيش الوطني بمعناه المؤسساتي هو جيش عقيدته حماية الوطن والمواطن، وليس أداة لفرض أيديولوجيا، أو ذراعًا عسكرية لسلطة أو فصيل. غير أن الفصائل التي تنشط تحت لافتات دينية أو مذهبية، خاصة "الجهادية" منها، لا تنتمي إلى هذا التصور. فهي تتحرك في أطر عقائدية مغلقة، وتخضع لولاءات أيديولوجية أو سياسية غالبًا ما تتجاوز حدود الوطن، وتُسقط عنه صفة "الجيش" بمعناه الوطني.
إن استمرار هذه الفصائل، أو محاولة تحويلها إلى نواة لجيش وطني، يُهدد بتحويل السلاح إلى أداة لفرض السلطة بدل حماية الدولة. ولا يمكن بناء جيش وطني حقيقي إلا عبر تفكيك الفصائلية، وتجفيف منابع الولاءات الخارجية، وحصر السلاح بيد مؤسسة عسكرية وطنية، تنتمي للدولة لا للسلطة، وتخضع لرقابة مدنية ومجتمعية.
لذلك، فإن أي محاولة لبناء جيش وطني حقيقي يجب أن تبدأ من إعادة تعريف مفهوم السلاح، واحتكاره بيد الدولة، شرط أن تكون هذه الدولة لكل أبنائها، لا دولة سلطة أو فئة أو طائفة. بدون ذلك، سيبقى حلم الجيش الوطني مؤجلًا، والدولة رهينة السلاح الخارج عن سيادتها.
في هذا السياق، يقول الخبير العسكري حسن النيفي: "لا يمكن بناء جيش وطني دون تفكيك البنى الفصائلية، وتجفيف منابع التبعية، وإعادة تعريف السلاح كأداة وطنية خاضعة للدولة، لا كأداة أيديولوجية في يد جماعة مسلحة".