عن دانيال نعمة في مئويته

خالد نعمة

مئويته
لو كان اليوم حياً بيننا، لكنا سنحتفل بالذكرى المئوية ليوم ميلاده، ولكان يشاركنا الفرح بانجلاء غمة الحقبة الأسدية عن رقبة السوريين، ولكان في الآن ذاته يقاسمنا الخوف من ألا تكتمل الفرحة، فتعاد سيرة الاستبداد من جديد، إنما بشكل آخر.
ولربما كان قد أدلى بدلوه أيضاً في كيف يمكننا ألأ نكرر أخطاءنا السابقة، وأن نتعلم منها، بينما نحن نتلمس طريقنا نحو مستقبل مجهول لم ترتسم معالمه بعد.
من أتحدث عنه ولد في اليوم الأخير من شهر آذار لعام 1925 في بلد ناءٍ من قارة بعيدة يدعى المكسيك، وقد عاد به أبوه من تلك البلاد إلى ربوع الوطن الأم سوريا، كي ينشأ بين ناطقين أصليين باللغة العربية، وينهل من ثقافتها، فلا يعجم لسانه، ولا ينقطع عن أصله.
عودة المذكور هي التي قيضت لكاتب هذه الكلمات أن يرى النور، أن يراه بعد زمن من العودة تناهز عمر المسيح المصلوب.
أأفتقده بعد رحيله الأبدي بعقدين ونيف؟
دون أدنى شك أنا أفعل، وكما يفتقد كل ابن أباه، حتى لو صار له من العمر عتيا.
تعوزني حكمته وخبرته ونصيحته، وتمسك الغصة بحلقي عندما أذكر أن ملاك الموت قد غافلني، وخطف روحه بينما أنا على بعد كيلومترات منهمك باجتماع حزبي سخيف لم يقدم أو يؤخر.
في هذه الذكرى المترافقة بأول أيام عيد الفطر في سوريا الجديدة لهذا العام، وجدت ما أزين به استعادتي لصورته في مخيلتي، ألا وهو هذا المقتطف من أحد أحاديثه المسجلة بالصوت والصورة، والذي يعود إلى يوم الثالث من كانون الثاني لعام 2003، وهو عام وفاته.
نصيحة ماو والموقف من الدين ورجاله
في سنة 1982 سافرت إلى فيتنام، وحضرت المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي الفيتنامي، ولدى استقبالهم لي ذكروا لي أشياء هامة، ومنها أن هوشيه مينه لم يناضل طوال حياته خارج فيتنام، بل عاد إلى البلاد كي يستطيع إكمال النضال في الهند الصينية، وقد تستر بهيئة راهب بوذي، ولبس ثياب الرهبان.
ولو سألنا (وصال فرحة) عمَّا كان يفعله (خالد بكداش) خلال فترات طويلة، لأجابت أنه كان يخطب مدافعاً عن قضايا الشعب السوري.
عال! لا أحد ينكر أن الميدان الخارجي ميدان مهم، ويمكن للمرء أن يناضل فيه، لكن شتان ما بين النضال والمرء في الخارج، وبين نضاله داخل البلاد وسط الشعب الذي يدافع عنه.
وعندما يتذكر المرء تاريخ بعض مناضلينا، سيرى أن نضالهم في قسم كبير منه كان يجري في الميدان الخارجي، بينما كان رفاقهم يناضلون في الميدان الداخلي.
الفرق كبير، لذا لا يمكن التشبيه من هذه الناحية.
والقصة التي سأرويها الآن للرفيق خالد نقلاً عنه، وأنا أرى أنه كان يتكلم صادقاً.
خلال فترة وجود الرفيق خالد في الصين، وكان الرفيق (موريس صليبي) رحمه الله معه، قابله (ماوتسي تونغ)، ونصحه بإقامة علاقات مع المتدينين وبالذهاب إلى الجامع، فرد عليه الرفيق خالد بأنه حتى لو ذهب إلى الجامع، فإنهم سيتهمونه بالنفاق، وأصرَّ على هذا الموقف.
أنا أرى أننا لا زلنا كلنا حتى الآن متأثرين بمدرسة خالد بكداش، فنحن نتحدث عن الانفتاح على المؤمنين والمتدينين، وهذا يعني أن نقيم علاقات مع الناس البسطاء ومع رجال الدين الذين يمثلونهم.
لا أريد القول إنه ينبغي إقامة علاقة مع البوطي، لكن ينبغي أن نقيمها مع كفتارو على الأقل. ولا أريد المطالبة بعلاقة مع البطريرك هزيم، لكن العلاقة ضرورية مع بعض مطارنته على الأقل. ولو أردت الحديث عن مطارنة حلب، لقلت إن مواقفهم إيجابية.
في إحدى المرات، قال لي كفتارو إن السوفييت مخطئون عندما يقولون عن أنفسهم إنهم ملاحدة، فالأفكار والقيم التي يمثلونها هي أقرب الأفكار إلى جوهر الدين، وتساءل عن سبب تورطهم في هذه القضية، وتمنى لو أنهم لم يعلنوا إلحادهم.
كان كفتارو وخالد بكداش صديقين، وكان كفتارو إلى جانب السلطة، وكانت علاقته بالرئيس (حافظ الأسد) ودية كثيراً، وعلاقته بالدولة ليست علاقة رجل دين بالسلطة. وأنا أرى أنه ذكي سياسياً، وقد ذهب مرات عديدة إلى الولايات المتحدة، وكانت مواقفه هناك جيِّدة، ولم ينافق الأمريكان، وبقي متمسكاً بالقيم.
ومع أن رجال الدين كانوا سيقولون عن تصرف من هذا النوع إنه نفاق، وسيستشهدون بأقوال لماركس، وسيدفعون المرء إلى معركة، إلا أن تبيان الشيوعيين لحقيقة القيم التي يدافعون عنها، وإظهارهم لعدم تعارضها مع جوهر القيم الإنسانية الموجودة في الأديان كان مفيداً بالنسبة إليهم ولا يزال.
وأنا أرى أن ماوتسي تونغ عندما تحدث، لم يكن غرضه دفع الحزب باتجاه النفاق، بل باتجاه مد جسور واسعة مع الناس البسطاء المؤمنين بحق. فهناك على سبيل المثال كثير من بسطاء الناس بين الفلاحين أو في الميدان، ممن خُلِقت لديهم أفكار مسبقة ضد الشيوعية.
ولو أردت ذكر أمثلة عن علاقة الحزب الشيوعي السوري برجال الدين، فإنني سأذكر علاقته بالشيخ (صلاح الزعيم)، وهو أحد كبار مشايخ الأكراد، وأخو (حسني الزعيم).
وهنا المفارقة، فحسني الزعيم هو الديكتاتور المجنون، الذي قام بانقلاب عسكري، بينما صلاح الزعيم شخصية دينية كبيرة كان لها علاقات ودية مع الحزب الشيوعي السوري ممثلاً بـ (مصطفى أمين) وغيره من قادة (حركة أنصار السلم) في سورية، وقد وقع على نداء ستوكهولم لتحريم القنبلة الذرية. كما أقام الحزب وخالد بكداش علاقات مع الشيخ (محمد الأشمر)، وقد حسن هذان الأمران علاقات الحزب بجمهور واسع في الميدان.
إذن، قضية إقامة العلاقات مع جمهور المؤمنين تكون أحياناً بإقامة علاقات مع الناس الذين يمثلونهم، أو الذين يُعدهم الجمهور رموزاً له في المجال الديني.
ومن هذه الناحية لم يكن ماو مخطئاً برأيي، لكن الرفيق خالد لم ينتبه إلى عمق هذه القضية، بينما أعلنت أم عمار أنها متديِّنة رغم علمانيتها. 
31 آذار 2025