ثنائيّــــةُ الدّاخْلــيّ والخارجـــيّ
أحمـد عزيـز الحسين
في ظنّي أنًه ما من (أيديولوجيا) كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في بلداننا إلا كانت نتاجَ أحد عاملين: الأول، هو العاملُ الداخليّ (ويعني الظروف الموضوعية الموجودة في الداخل التي تهيئ التربة المناسبة للعامل الخارجيّ كي يُحدِث فيها تأثيراً ما)، وهذا العامل هو الأساس في التأثير، وقد تساعده على الفعل، وإحداث التأثير المطلوب قوىً داخليةٌ ممثلةً بالسلطة، أو قوى اجتماعيةٌ ممثلةٌ بالبرجوازية الكولونيالية التي رضيتْ بأن تكون ذيلا للقوى الكبرى، وحققت ذاتها من خلال تبعيّتها لها.
أما العاملُ الثاني (وهو العاملُ الخارجيّ) فيتجلى في القوى الكبرى المهيمنة في العالم، وهي القوى التي أقامت مع الأنظمة الاستبدادية في بلداننا وبلدان العالم الثالث عموماً علاقاتٍ تنم عن تبعيّتها لها، ولم يستطع الشعبُ المُقصَى عن القيام بدوره، والمشغول بتوفير حاجاته الأساسية مناهضةَ ما يجري من حوله، أو الدفاعَ عن حياته وحريته، ممّا أوصلنا إلى ما نحن فيه من خراب وتدمير؛ فضلا عن أنّ الثّقافة والفن أخفقا في القيام بدورهما التنويري المطلوب إما بسبب طبيعة النص الذي قدمه المثقف والفنّان الذي كان أرفع مستوى بكثير من مستوى الإنسان العادي، أو بسبب الأمية المهيمنة على الإنسان نفسه التي كانت سبباً في عدم تواصله مع النص الذي قدمه صانعُهُ، أو بسبب شيوع قيم التفاهة والاستهلاك التي أقصتِ المواطن العاديَّ عن الاهتمام بما يدور في وطنه، وجعلته يدير الظهر إليه.
وفضلا عن ذلك كله إنّ كثيراً من المثقفين قاموا إما بدور المثقف الموظف لدى السلطة، والخادم لها، والصادح باسمها، وإما بدور المثقف العضويّ والفاعل، الذي واجه ما يجري بوعي، ودفع حياته مقابل ذلك فسُجِن، أو هُجِّر، أو قُتِل، ومع ذلك لم يستطع أن يُحدِث شيئاً جذريّاً على الأرض؛ لأنّ القوى التي تحركت في الداخل والخارج كانت أقوى منه بكثير، وأكثر تأثيراً، ما أجبره على الاستسلام، والقبول بالأمر الواقع، أو استمرار المقاومة حتى آخر نفس.
واليوم يواجه المثقفُ السوريُّ الحالةَ نفسَها في وطنه ودولته الجديدة.
فهل يفلح في القيام بدوره التنويريّ كما يجب أم يبقى في برجه العاجي متفرّجاً على ما يجري وقانعاً بدور المشاهد لا أكثر؟
هذا السؤال برسم الإجابة؟