عقد مجتمع.. وعقد حكم
مروان حبش
في كل وقت يكون من الواجب البحث عن مخارج تدعم وترسخ وتحصن الخيار الرئيس الذي لا يعلو عليه خيار آخر، هو خيار وحدة المجتمع، وبناء الدولة، عبر طرح رؤية مستقبلية باتجاهٍ يدفع لتعميق وترسيخ تطلع أي شعب إلى الحرية والكرامة.
إن مستقبل سورية شعباً وأرضاً يجب أن يحدد بإطلاق عملية سياسية شاملة عبر مؤتمر وطني جامع لكل مكونات المجتمع وأطيافه، وبدعم من القوى الدولية والإقليمية المتحكمة يسلوك وقرارات السلطة الحاكمة. وغير ذلك، لا بد من مؤتمر وطني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤيد من القوى العربية والدولية الداعية لعملية سياسية في سورية، والرافضة لاستئثار مجموعة بذاتها للسلطة والتحكم بمقدرات الشعب.
يجب أن تكون المهمة الرئيسية للمؤتمر هو إقرار عقد اجتماعي جديد لمكونات الشعب كافة يحقق منظومة مجتمع مواطنة كأساس للمجتمع المدني، يستدعي عقداً للحكم بإنشاء دولة. وبذلك تُفَسر شرعيةُ سلطة الدولة على الأفراد. وتضع الأساس لفكرة الرقابة الشعبية على السلطة وحدودها، وتكون عاملاً لدعم قضية الحرية في تطبيقها وفي استخدامها وفي الدفاع عنها بكل أشكالها، ووسيلة للتعبير عن قيمتين أساسيتين:
1-قيمة العدالة، أي فكرة أن الحق لا القوة هو أساس كل مجتمع وأساس خطة كل نظام سياسي.
2- قيمة الحرية أو فكرة أن الإرادة لا القوة هي أساس الحكم. وهذا يعني أن الحاكم إذا تعدى حدود العقد الذي اختير بمقتضاه فإنه يُحِلُّ المواطنين من التزام الخضوع.
إن نظرية العقد الاجتماعي يجب أن تؤسس لسلطة سياسية تقوم على تعاقد حر تهدم نظرية الأنظمة الفردية الاستبدادية والأنظمة الشمولية الأمنية، وتتكون من فكرتين رئيسيتين:
1-فكرة عقد المجتمع: أي يجب أن تكون هناك جماعة مترابطة فعلاً بفضل إرادة اجتماعية مشتركة، وكذلك سلطة مفترضة على استعداد لتحمل أعباء المجتمع، بالاتفاق مع هذه الإرادة، وأن ينتج هذا العقد المجتمع نفسه.
2- فكرة عقد الحكم: أي أن الدولة تقوم على عقد بين السلطة والمواطنين. وأن هذا العقد ينتج سلطة ولا شيء غيرها. مع ضرورة الادراك بأن المجتمع أكبر من السلطة وسابق عليها.
أولاً-عقد مكونات المجتمع السوري
إن الشعب السوري، بتنوعه الديني والإثني، يمثل لوحة غنية من الثقافات والتقاليد. ومع ذلك، فإن الصراعات التي شهدتها البلاد قد أفرزت شرخًا عميقًا بين مكوناته. لذا، فإننا نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يهدف إلى ترميم هذا الشرخ وبناء مجتمع مدني متماسك ومنسجم.
المبادئ الأساسية للعقد
- احترام التنوع:
1- الاعتراف بجميع المكونات الدينية والإثنية كجزء لا يتجزأ من الهوية السورية.
2 - تعزيز ثقافة الاحترام والتسامح بين جميع الأديان بطوائفها، والإثنيات.
المساواة والعدالة:
1- ضمان حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن دينهم أو إثنيتهم.
2- إنشاء آليات قانونية تحمي حقوق مكونات المجتمع كافة، وتضمن تمثيلها في كافة المجالات من غير محاصصة.
الشفافية والمشاركة:
1- تعزيز الشفافية في اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية.
2- تشجيع المشاركة الفعالة للمواطنين في الحياة العامة وصنع القرار.
التنمية المستدامة:
1- العمل على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة تشمل جميع المناطق والمكونات.
2 - دعم المشاريع التي تعزز التعاون بين مختلف المكونات وتحفز الاقتصاد المحلي.
التعليم والتوعية:
1- إدراج برامج تعليمية تعزز من قيم التسامح والتعايش السلمي في المناهج الدراسية.
2- تنظيم ورش عمل وندوات لتعزيز الحوار بين الثقافات المختلفة.
المصالحة الوطنية:
1- إنشاء لجان مصالحة وطنية تعمل على معالجة آثار النزاع وتقديم الدعم للضحايا.
2- تشجيع الحوار بين جميع الأطراف لبناء الثقة وتعزيز السلم الأهلي.
الحكم الرشيد:
1- ضمان وجود نظام سياسي يحترم الإرادة الشعبية ويعمل على تحقيق مصالح جميع المواطنين.
2- مكافحة الفساد وتعزيز المؤسسات الحكومية المستقلة.
الحقوق الثقافية والدينية:
1-حماية الحقوق الثقافية والدينية لجميع المكونات، بما في ذلك حرية العبادة والممارسات الثقافية.
2- دعم الفنون والتراث الثقافي كوسيلة لتعزيز الهوية الوطنية المشتركة.
إن هذا العقد الاجتماعي يمثل خطوة نحو بناء مجتمع سوري متماسك، حيث يتمكن جميع أبنائه من العيش بكرامة وسلام. يتطلب تحقيق هذه الأهداف التزامًا جماعيًا من جميع الأطراف، بما في ذلك الحكومة والمجتمع المدني والمواطنين. بما يساعد على إعادة بناء سوريا كدولة تسود فيها قيم العدالة، والمساواة، والتسامح، والاحترام المتبادل.
ثانيا: عقد الحكم
من ذلك العقد المجتمعي، ينتج دستور، وعلى أساس هذا الدستور يتعاقدالمجتمع على الاندماج في كيان سياسي تنتج بمقتضاه الدولة، وعلى أساسه وفي ظله أيضاً، وتبعاً للمسؤولية التي تحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، تتمتع فيه أكثرية الجسد السياسي الذي هو مجموعة من الأفراد الذين توافقت إرادتهم، بحق التصرف متضمنة إرادة باقي المجتمع.
تكون الدولة بمعنى الجماعة السياسية وباعتبارها مجتمعاً منظماً، مؤسسة على عقد سياسي يُوحد السلطة والمواطنين على السواء، إن الدستور الذي يطمح إليه كل شعب ويوفر له الحرية والكرامة، ويكون وثيقته الحيَّة الحاكمة للحياة الوطنية ولسيادة الشعب، هو الدستور الذي:
- يحقق النظام الديمقراطي، والموازنة والمراقبة بين سلطات الحكم ويكون بالفصل الحقيقي بينها، ويطور مجالاً عاماً يحقق التواصل والتعايش بين الجماعات والآراء والتوجهات المختلفة للارتقاء الدائم بالمجتمع وبنوعية الثقافة الحاكمة لعلاقات الأفراد والجماعات وتفاعلاتهم.
- يرسخ مفهوم المواطنة كقيمة حضارية لجميع المواطنات والمواطنين.
- ينتج حكماً قائماً على التمثيل المتحقق بالانتخاب الحر.
- يثبت الكيان الوطني على ركائز ثلاث:
آ- وحدة للشعب والأرض غير قابلة للفصم.
ب- حقوق المواطنة، أي أن للأفراد والجماعات القومية والدينية بمذاهبها وطوائفها، وللجنسين في المجتمع حقوقاً سياسية وثقافية واجتماعية متساوية، وللجميع حق الوصول إلى الثروة الوطنية.
ج- حق التمتع بحماية متكافئة أمام القانون.
- يكرس مؤسسة المحكمة الدستورية العليا المنتخبة دون أن تُنازع.
- يلتزم بحقوق الإنسان غير القابلة للنزع، وبكافة المواثيق الدولية بهذا الخصوص، ويعتمد المنظور الإنساني المتسق مع العلم المستكشف ومع حقائق الوجود ومنظومة القيم والمبادئ المنمية لإنسانية الإنسان.
- ينمي جمعيات المجتمع المدني وجماعات الضغط والأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والمهنية ويصون دورها في تطور المجتمع ومراقبة الحكم، وفي الدفاع عن مصالحها والمطالبة بحقوقها.
- يعتمد مبدأ اللامركزية الديمقراطية على أساس جغرافي، ويعتمد مؤسسات تمثيلية لإدارة شؤون المواطنين وتنميتها بهدف الوصول إلى تنمية متوازنة ومستدامة.
- يصون الملكية العامة للدولة ويطورها لصالح المجتمع، ويحمي الملكية الخاصة للأفراد والجماعات.
- يحقق إلزامية التعليم في المراحل الأولى، ومجانيته في كل مراحله.
- يُشيَّدُ دولة المواطنة ببنيتها العصرية ونظامها الديمقراطي. وتكون:
1- دولة حيادية (والعلمانية ركن من أركان الحيادية) بين الجماعات القومية والدينية التي يتكون منها الشعب، وتحظر أية أيديولوجيا دينية أو غير دينية من السيطرة عليها، وهي في الوقت ذاته لا تحدُّ من حرية ممارسة أفراد الشعب اعتناق أية أيديولوجيا، أو شعائر أي دين أو مذهب.
2- دولة التسامح وقبول الآخر والعيش المشترك والسلام الاجتماعي.
3- دولة القانون وسلطة الدولة التي يلجأ إليها الأفراد عندما تنتهك، أو تهدد بالانتهاك حقوقهم.
4- دولة بحكم كيانها ومؤسساتها وتنظيماتها، تعطي الشرعية للسلطة المتغيرة والعابرة.
5- دولة يكون ولاء المواطن لها، وحريصاً على طاعة قوانينها.
6- دولة تجسد وتلخص وعي الشعب وتطلعاته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وتحفظ الحقوق الجامعة لمبادئ الشعب وقيمه.