دانتي، حامل الجناح طويل البقاء.. 2من 2
مران حبش- فينكس
دانتي الشاعر
كان بلاط امبراطور الرومانية المقدسة وملك صقلية فردريك الثاني (1194- 1250) في أبوليا بإيطاليا هو المكان الذي ولد ونشأ فيه الأدب، وكان لمن في حاشيته من المسلمين نصيب في الحافز الباعث على نشأة هذا الأدب من العاطفة الأفلاطونية، ومزيج من الميتافيزيقيا والأسلوب الجديد في الشعر، وادعى الشعراء أنهم يحبون النساء بوصف كونهن ممثلاث للجمال النق المجرد، أو كونهن رموزاً للحكمة أو الفلسفة الإلهيتين، ولعلهم تأثروا بالمتصوفة المسلمين الذين لم يكونوا يرون في الجمال غير الله، والذين كانوا يوجهون قصائد الحب للخالق. وجاء بهذا الأسلوب الجديد إلى فلورنسة الشاعر "كفلكانتي"، وأخذ دانتي الكثير عنه، وقلد شعره، ولعله مدين له بعزمه على كتابة الكوميديا الإلهية.
في السنوات العشر الأولى من نفيه، كتب بعض القصائد إلى "السيدة الظريفة"، وأضاف إليها تعليقات نثرية حولتها إلى "السيدة الفلسفة". و وبعد خيبته في الحب والحياة، يتحدث في قصيدة "المائدة" حوالي 1308، كيف ولَّى وجهه، نحو الفلسفة ليخفف بها من آلامه، ووجد فيها إلهاماً مقدساً. تعلم دانتي من أستاذه "برونتو لاتيني" كيف يخلد الإنسان ذكره، وكان قد درس أيضاً كاتب الإنياذة الشاعر الروماني فرجيل "70-19 ق.م"، وشعر بمتعة كبيرة بالأسلوب الجميل لهذا الشاعر الكبير الذي قاد دانتي في الجحيم".
وحصل دانتي على قدر كبير من العلوم ومن فلسفة المعجزات التي كانت منتشرة في زمانه، كما كانت الأوساط الأدبية والمثقفة تقبله، لصداقته لكفلكانتي، ووجد فيها كثيراً من الشعراء.
بدأت أشهر الحوادث الغرامية في حياة دانتي حين التقى بـ "بيس" في بيت أحد كبار المواطنين في فلورنس، وكان كلاهما في سن التاسعة، وخلع عليها من الصفات ما جعلها مثلاً أعلى "ها هي ذي إلهة أعظم مني قوة مقبلة لتسيطر عليَّ، وأصبحتُ من تلك اللحظة عبداً لهواها"، وربما هي التي يتحدث عنها في الكوميديا الإلهية باسم "بياتريس". وهكذا نشأت أشعاره وتعليقاته المعروفة باسم "الحياة الجديدة" وفيها تأليه للحب وتأليه مسرف للخيال. ثم أخذ في تأليف مقطوعاته الشعرية وأضاف إليها النثر. وتزوجت بياتريس من غيره، وظلَّ يكتب فيها القصائد، ولما ماتت بعد عام من زواجها وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، رثاها بقصيدة هادئة يذكر فيها اسمها لأول مرة، "صعدت بياتريس إلى السموات الأعلى، إلى الملكوت الذي يتمتع فيه الملائكة بالسلام".....، ويصورها في قصيدة أخرى في الجنة يحيط بها من يقدمون لها فروض الولاء.
بدأ دانتي كتابة "الكوميديا الإلهية" باللغة اللاتينية، ثم استبدلها باللغة الإيطالية، متأثراً بقوة عاطفته، ولأن التعبير بها عن الانفعال أيسر، ولأنه جعل موضوعه أسمى فلسفة وهي افتداء البشرية عن طريق الحب، ولكي تصل إلى عدد كبير من القراء. ولقد جعلت ملحمته هذه، اللغة الإيطالية صالحة للتعبير عن أي غرض من الأغراض الأدبية، وتسمو بها إلى درجة عالية من العذوبة والرقة.
كانت نزعة دانتي إلى التثليت – الثالوث الديني المقدس – هي التي حددت شكل الكوميديا الإلهية، فجعلتها مؤلفة من ثلاثة "موضوعات"، في كل "موضوع" ثلاث وثلاثون بيتاً شعرياً، تقابل عدد سني حياة المسيح على هذه الأرض، تضاف إليها قصيدة أخرى فيكون عددها مائة كاملة. وكما أن عدد أبيات "الكوميديا" -التي تتبع جنس "الفلسفة، وموضوعها الأخلاق- هي التي عينت صورتها، فإن الاستعارات وما تنطوي عليها من رموز هي التي حددت النقاط الرئيسية لمضمونها الذي سما به الخيال.
حدد دانتي لملحمته ثلاثة معانٍ: الحرفي، والمجازي، والصوفي، وموضوع (" الكوميديا الإلهية" حسب معانيه الحرفية ... هو حال الأرواح بعد الموت ... وحسب النظرة المجازية فإن موضوعها هو الإنسان من حيث تعرضه للثواب والعقاب العادلين اللذين يستحقهما بسبب أعماله الطيبة أو الخبيثة.... والغرض منها في مجموعها هو انتشال من يحيون هذه الحياة مما يعانونه من شقاء، وإرشادهم إلى طريق السعادة).
ويمكن القول بأن دانتي يقصد بأن الجحيم - ويظن دانتي أن "الحكمة العليا، والحب الأزلي" هما اللذان خلقا الجحيم - هي مرور الإنسان بالخطيئة، والعذاب، واليأس. والمطهر هو تطهيره عن طريق الإيمان. والفردوس هو نجاته عن طريق الوحي الإلهي والحب غير الأناني، ويمثل الشاعر الروماني فرجيل 70 -19 ق.م الذي يقود دانتي خلال الجحيم والمطهر، المعرفة، والحكمة، والعقل وهي التي تقوده إلى أبواب السعادة، وإن الإيمان، والحب وحدهما هما اللذان يفتحان أبوابها. وكان النفي في ملحمة حياة دانتي هو جحيمه، وكانت دراساته وكتاباته هي مطهره، وكانت آماله وحبه هما نجاته وسعادته اللتين لم تكن غيرهما نجاة أو سعادة. وإن الرمزية الشديدة العصية على الفهم إلى حدٍ ما في الفردوس ناجمة من جمال بياتريس البريء، التي كانت في "قصيدة الحياة الجديدة" رؤية سماوية لتصبح في تصويره السماء تجريداً ذا أبهة.
يقول دانتي إن سبب تسميته هذه الملحمة بـ "الكوميديا" – وقد أضاف إليها المعجبون بها صفة الإلهية (المقدسة Divrina) – هو انتقال موضوع القصيدة من الشقاء إلى السعادة، وإنها كتبت بأسلوب مهلهل وضيع، باللغة العامية التي تتحدث بها ربات المنازل أنفسهن. وكانت كتابته هذه "الملهاة" هي شغله وسلواه في منفاه، ولم يفرغ منها إلا قبل موته بثلاث سنين، وقد لخص فيها حياته، وتعليمه، وآراءه الدينية، وفلسفته، وضمنها ما كان في العصور الوسطى من فكاهة، ورقة، وشهوانية عارمة. وحشر فيها كل ما كان هناك من فلك وعلم الكون، وطبقات الأرض، والقوى الخفية، وما يستقيه من التنجيم، وما يؤمن به من الأساطير الملغزة التي كانت تعزو معاني وقوة خفية للأعداد ولحروف الهجاء. فكان يدعي بأن العدد 9 يميز "بياتريس" من غيرها لأن جذره التكعيبي هو 3 الذي جعله الثالوث المقدس رقماً مقدساً. وفي الجحيم تسع دوائر، وتسع طبقات في المطهر وتسع طبقات كروية في الفردوس. وإن تصوير دانتي "لله" بأنه نور وحب "الحب الذي يحرك الشمس وسائر النجوم". وهذا قول أرسطو، وربما انتقل إليه عن طريق الفلاسفة العرب وربما يعرف معلومات قليلة عنهم، مثل الفارابي، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد الذي وضعه دانتي في المحيط الخارجي للجحيم.
لا يمكن الجزم فيما إذا استمد دانتي ما كتبه في "الملهاة" من المصادر الشرقية، وفيما إذا كانت قد ترجمت في ذاك الوقت، وبخاصة المصادر العربية كقصة الإسراء والمعراج التي تصف الصعود إلى السماء، ووصف الجحيم والجنة الوارد في القرآن الكريم، ووصف الجنة والنار في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري وتصويره كيف يعذَّبُ إبليس في النار وهو مقيد بالأغلال، والكفرة يعذلون فيها أيضاً، وكيف واحدة من الحور العين تستقل المعري عند باب الجنة كمرشدة له. وقد وصف "ابن عربي" في الفتوحات الحياةَ الآخرة وصفاً دقيقاً، وحدد موقع الجنة والنار بأنهما فوق بيت المقدس وتحته مباشرة، وقسم كلاً منهما إلى سبع طبقات، ومكان الملائكة المسبحين حول النور القدسي. ومثل هذا الوصف ورد في "الملهاة" من غير فارق.
كما أن عديداً من الآداب الدينية اليهودية والمسيحية غير المعترف بها وردت بها أوصاف لرحلات في الجنة والنار، وتقول قصة أيرلندية إن القديس "باتريك" زار المطهر والجحيم، ورأى فيهما أثواباً وأحزمة من نار، والمذنبين معلقين فيها من أرجلهم. ووصف قس إنجليزي في قصيدة طويلة طواف القديس بولس في النار يقوده الملاك ميخائيل ويشرح له مراتب العقاب التي توقع على درجات الذنوب المختلفة. ووصف الشاعر فرجيل الجنة والنار في الكتاب السادس من الإنياذة.
لا بد من القول بأن "الكوميديا" ضمت قصائد صعبة و(تضنُّ بكنوزها إلا على من يبذلون في سبيلها جهوداً جبارة)، وتتسم بإيجاز لغتها وإحكامها فهي تجمع في كلمة أو بضع كلمات معانٍ وأفكاراً دقيقة يتطلب فهمها معلومات سابقة، وعقلاً مستيقظاً. ذلك أن دانتي كان يحيا في عصره حياة عميقة تكاد "الملهاة" بسببها أن تتحطم تحت عبء الإشارات إلى الحوادث والمعاني المعاصرة التي لا يمكن فهمها إلا إذا أضيف إليها كثير من الشروح. كما أنه يُنْطق جمالَ بياتريس وفتنتها بما يحبه ويكرهه في الشؤون السياسية.
وتعتبر "الملهاة من أعظم كتب العصور الوسطى في أوربا، لما فيها من قوة الأسلوب وغزارة المادة. وقال فيها الكاتب الناقد الاسكتلندي "توماس كارليل": (إنها أعظم القصائد إخلاصاً، فليس فيها شيء من الادعاء، أو الخنوع، أو الجبن، بل إن أقوى رجال العصر، ومنهم البابا الذي يدعي أنه صاحب السلطان الأعلى، يُهاجمون بقوة وحرارة ليس لهما في الشعر كله مثيل، وفيها فضلاً عن ذلك خيال وثَّاب يسري فيها كلها ويبعث فيها القوة، وفيها صور واضحة حيَّة لأشياء لم يرها الأرباب أو البشر، ووصف للطبيعة لا تستطيعه إلا روح يقظة قوية الملاحظة مرهفة الحس. نعم، إن دانتي فيه حبٌّ ظل حتى أحالته المصائب لاهوتاً).
ويجمع كبار النقاد بأن دانتي بلغ بقصيدته مرتبة السمو، ولأنه قيَّد عواطفه ورؤياه وخلع عليهما صورة محددة، فكانت "الملهاة" ذات قوة لم يصل إلى مثلها شاعر من بعده. وما زالت إيطاليا تجل شاعرها الكبير الذي حرر لغتها من القيود، وردت أوربا كلها أصداء قصة المنفيِّ الفخور الذي سار إلى الجحيم ثم عاد منها ولم يبتسم قط بعد عودته.
كان دانتي، المغلوب على أمره المنفي من بلده وقد أكسبته الشدائد حدة اللسان وغطرسةً يغطي بها ما فقده من قوة وسلطان، يفخر بنسبه لأنه كان فقيراً، ويحتقر رجال الطبقة الوسطى من أهل فلورنسة الذين يجرون وراء المال. ووضعهم في الدرك الأسفل في الجحيم.
في عام 1319، وبعد أن أفرغ في الكوميديا الإلهية كل ما أوتي من معرفة، غادر "فيرونا" وسافر إلى " رافنا" "، ثم رفض دعوة وجهت إليه من "بولونيا" للقدوم إليها لكي يتوج بها شاعراً لبلاطها، بأنشودة رعوية كتبها باللغة اللاتينية. وفي عام 1321، أرسله حاكم "رافنا" إلى مدينة "البندقية" في بعثة سياسية، وعاد دانتي من هذه العثة مريضاً بحمى لم يستطع جسمه الضعيف مقاومتها، فتوفي في 14 أيلول 1321. وهو في السابعة والخمسين من عمره. وإن نقشاً قليل البروز قائم فوق قبره الرخامي الذي لا يكاد يبدو للناظر في هذه الأيام.