غاندي.. زعيم سياسي ومصلح اجتماعي

مروان حبش- فينكس

تحدث العلامة (كارل ياسبرز) عن العظَمة بوجه عام، وقال إن الناس في جميع الأزمان ينظرون إلى الرجال على أنهم، بسائق عظمتهم، أشبه بكائنات أسطورية، وفي العظمة أصل الارتباط بالعمق الإلهي، وبالقرار الأخلاقي، وبفحوى النظرة الكونية، وجلاء المعرفة، وإن الرجل العظيم هو أشبه بانعكاس الكون بأسره. وإن هذا التعريف ينطبق على المهاتما العظيم.
أضأل وأنحل رجل سياسة، له وجه وجسد كأنما صقلا من البرونز، رأسه أشيب حليق الشعر حتى الجذور، عظمتا صدغيه بارزتان وعيناه البنيتان تشعان طيبة قلب، وفم واسع يوشك أن يخلو من الأسنان، وأكبر من فمه أذناه، أـنفه ضخم، نحيل الذراعين والساقين، ادَّثر بثوب على ردفيه، جالساً على بساط صغير في غرفة عارية في مقره المسمى (سابا جراهام شرلم) أي (مدرسة طلاب الحقيقة) في مدينة أحمد آباد، وقد ربَّع ساقيه النحيلتين تحت جسمه وبطن القدمين إلى أعلى، ويداه لا تنفكان تعملان على عجلة المغزل، ووجهه تغضن بتقلصات تنم عن عبء التبعة الذي حمله، وعقله نشيط الحركة مستعد بالجواب عن كل من يسأل سؤالاً عن الحرية والاستقلال. هذا النسَّاج العريان، أو الفقير العاري (كما وصفه تشرشل)، الذي وقف أمام قاض انجليزي في الهند، متهماً بتحريض قومه على (عدم التعاون)، كان هو الزعيم السياسي والمصلح الاجتماعي، إضافة لزعامته الروحية، في آن واحد لشعب الهند، بالغ عدده ثلاثماية وعشرين مليوناً، وامتدت زعامته من 1920 حتى اغتياله عام 1948. فإذا ما ظهر للناس التفت حوله حشود لتتبرك بلمس ردائه أو بتقبيل قدميه. هذا الزعيم الذي قدَّم للإنسانية فلسفة جديدة لمقاومة الاضطهاد والاستعمار، فلسفة جديدة تحارب الظلم بالسلم والعنف باللا عنف (الساتياغراها).
كان ينفق كل يوم أربع ساعات في غزل (الخضَّار) الخشن راجياً أن يسوق بنفسه للناس مثلاً يحتذونه فيستخدمون هذا القماش البسيط الخشن المغزول والمنسوج في داخل البلاد، بدل شرائهم منتجات المغازل البريطانية التي جاءت خراباً على صناعة النسيج في الهند.
قد كان بادئ أمره محامياً ميسور الحال، لكنه تنازل عن كل أملاكه للفقراء، ثم تبعته في ذلك زوجته، كان ينام على أرضية الغرفة عارية، أو على تربة الأرض، ولم يذق طعم اللحم إلاَّ مرة واحدة في حياته، وكان يعتقد أنه كلما رقَّ الدم صفا العقل وسقطت عنه النوازع التي تنحرف به عن جادة الصواب.
وقد أدى به الصيام والحرمان الذي كان يفرضه على نفسه إلى ضعف وهزال، ومدَّ زهده حتى شمل به نطاق العلاقة الجنسية، وكان هو كذلك قد أمضى شبابه منغمساً في شهوات بدنه، حتى لقد جاءه نبأ موت أبيه وهو يحتضن إحدى الغانيات، ولكنه عاد في رجولته عن كل شهوة جسدية، وأقتع زوجته أن تعيش كما تعيش الأخت مع أخيها. ولما تبين له أنَّ حاجة الهند الأساسية هي ضبط النسل، فدعا المتزوجين أن يكلحوا جماح أنفسهم ويوقفوا النسل مؤقتاً.
اتسمت حياته بالوداعة والبساطة والبعد عن الهوى والعفو عن الأعداء، واتصف بحسن معاملته لمعارضيه، وبذلك استثار فيهم معاملة حسنة له من جانبهم، ولم يرد على أي عدوان يقع عليه بعدوان مثله أبداً.
اتجه إلى المجتمع يحارب الطبقية الهندية المتفاوتة االتي تغمط حق الإنسان، دون أن يحارب أصحاب الطبقات أنفسهم، أو يعادي إحدى هذه الطبقات وقد كان همه حل القيود الطبقية فقط ليكون الناس سواسية، وكان يؤكد بأن المنبوذين جزءٌ ذو قينة وطنية في المجتمع الهندي، كما كان همه الأول تحرير الفكر والعقل من اللواصق القديم البالية
وُلد عام 1869، وتنتمي أسرته إلى طبقة التجار "فايشيا"، وإلى المذهب الجايني الذي يدعو أتباعه بعدم إنزال الأذى بأي كائن حي.
تزوج وهو في الثانية عشر من العمر بالفتاة "كاستور باي" التي ظلت على وفائها له خلال مغامراته كلها وغناه وفقره وسجنه، وما قرره من اعتزام العفة الجنسية.
نجح، وهو في سن الثامنة عشرة من عمره، في امتحانات الدخول في الجامعة، وسافر إلى لندن ليدرس القانون ولما عاد إلى الهند عام 1891، مارس المحاماة في مدينة بومباي، وكان يحتفظ لنفسه دائماً بحق ترك القضية إذا ما وجد أنها تتنافى مع العدل. وقد أدت به إحدى القضايا إلى السفر إلى جنوب أفريقيا، والث هناك عشرين عاماً يدافع عن بني قومه مما يلاقونه من سوء المعاملة مما دفع به تأجيل عودته للهند، واتجه بجهده كله ليزيل عنهم ما كان يصفدهم من أغلال حتى سلَّمت الحكومة بمطالبه وعندئذ عاد إلى أرض الوطن. وكان طريق سفره بحيث يخترق الهند، فتبين فقر الناس فقراً مدقعاً، وأفزعته الهياكل العظمية الحية التي شهدها تكدح في الحقول، والمنبوذون الوضيعون الذي يفرض عليهم ممارسة أقذر الأعمال في المدن، واقتنع أن ما يلاقيه بنو قومه في الخارج من ازدراء، إن هو إلاَّ إحدى نتائج فقرهم وذلهم في أرض وطنهم
لقد ضحت الهند بالعديد من رجالها الذين انخرطوا مع القوات البريطانية في حروبها، وكان الشعب يظن أن بريطانيا ستمنحه الاستقلال والحرية، أو الحكم الذاتي، ولكنها أصدرت ما عُرِفَ بقوانين (رولند) التي قضت على حرية الكلام والنشر، وأعقبها مذبحة (أمريتسار) في 13 نيسان 1919، حيث أمر ضابط بريطاني جنوده اطلاق النار على تجمع ديني وسياسي للهندوسيين والمسلمين والسيخ، فكانت الصدمة قوية على غاندي، فقرر من فوره عملاً حاسماً، ووجه الدعوة إلى الشعب، الذي استجاب لدعوته، للعصيان المدني، والوقوف موقفاً حاسماً من الحكومة الهندية، ولكن لبس باللا عنف والمقاومة السلمية كما أراد، بل بالعنف وإراقة الدماء، مما اضطره دعوتهم إلى إرجاء حملة، العصيان المدني التي تتدهور إلى أن تصبح حركة للغوغاء تزدري ما تمليه الضرورة العملية للوصول إلى الغايات، وغير آبه بحلوله من قلوب الناس منزلة عالية، فدهش الأمة لقراره، لأنها ظنَّت أنها كادت أن تبلغ غايتها. وهبطت مكانته إلى الحضيض. وفي (آذار 1922) قررت الحكومة القبض عليه بتهمة إثارة الناس بمنشوراته، وكان جوابه للنائب العام بعبارة رفعته إلى ذروة الشرف، إذ قال: (أحب أن أؤيد ما ألقاه النائب العام على كتفي من لوم فيما يخص الحوادث التي وقعت في بعض المدن، وأنه على حق لا شبهة فيه حين يدعي إنني باعتباري رجلاً مسئولاً كان ينبغي عليَّ أن أعرف النتائج التي تترتب على كل فعل من أفعالي.... لقد أقدمت على المغامرة ... أردت أن أجتنب العنف الذي هو المادة الأولى في قائمة إيماني، وهو كذلك المادة الأخيرة من مواد عقيدتي، لكن لم يكن لي من اختيار أن أتعرض للخطر الناشئ عن ثورة بني وطني، لذلك وأنا واقف هنا لأتقبل لا أخفَّ ما تفرضونه عليَّ من عقوبة، بل أقسى ما تنزلونه عليَّ من عقاب يعده القانون جريمة مقصودة، وما ببدو أنه أسمى ما يجب على المواطن أداؤه).
وعبر القاضي عن عميق أسفه لاضطراره أن يزجَّ في السجن رجلاً يعده الملايين من بني وطنه وطنياً عظيماً وقائداً عظيماً، إنه زعيم ذي مثل عليا وحياة شريفة. وصدر قرار المحكمة بالحكم عليه بالسجن المنفرد ست سنوات.
لقد حارب الإنجليز وسعى لأن يحارب لغته وحثذَ الشعب على التحدث بلغته الأصلية لا بلغة مستعمرهم، ودعا الشعب إلى مقاطعة البضائع الأجنبية، وارتداء الرجال الهنود في كل أرجاء الأرض (الخُضار)، والنساء الساري من نسج أيديهن، وأقيمت المحافل الكبرى في المدن لحرق المنسوجات الواردة من الخارج حتى يتسنى للمنازل أن تطن من جديد في فصل الشتاء بصوتها وهي تدور بعجلاتها، لقد غدت هذه الحركة الداعية إلى نبذ منتجات الصناعة الأجنبية، رمزاً للثورة وعملت على تركيز ملايينها الصامتة في اتحاد جديد من الوعي السياسي، وأكبر الشعب الغاية المنشودة وأصبحت الهند كلها في لحظة من الزمن بمثابة الرجل الواحد باتحادها في اكبار (المهاتما) أي الرجل القديس، وكما يقول الرئيس نهرو: (وجاء غاندي، كان مثل تيار قوي من الهواء المنعش جعلنا نتمطى ونأخذ نفساً عميقاً. مثل شعاع من النور اخترق الظلام وأزاح الغشاوة عن أعيننا، مثل إعصار قلب الكثير من الأشياء، وفي مقدمتها طريقة عمل عقول الناس، رأساً على عقب، لم يبدأ من الأعلى، بدا منبثقاً من ببن ملايين الهند، يتكلم لغتهم ولا فتاً الأنظار باستمرار إليهم....). ويقول شاعر الهند الأكبر طاغور: (لقد ازدهرت الهند لدعوة غاندي ازدهاراً يؤدي إلى عظمة جديدة، كما ازدهرت مرة سابقة في الأيام السوالف، حين أعلن بوذا صدق الإخاء والرحمة بين الكائنات الحية جميعاً. لقد تحدث غاندي إلى الفقراء بطريقتهم، ولبس ثيابهم، ولهذه الأسباب كان اسم (مهاتما)الذي أطلقه عليه الشعب هو اسمه الحق).
وقد أسماه أمير الشعراء أحمد شوقي (بطل الهند، العلم المفرد)، وقال فيه:
قريب القول والفعل من المنتظر المهدي
شبيه الرسل في الذود عن الحق وفي الزهد
دعا الهندوس والإسلا م للألفة والود
بسحر من قوى الروح حوى السيفين في غمد
وكثير من كبار المؤرخين العالميين كتبوا عن سيرة المهاتما غاندي وفي طليعتهم الكاتب الفرنس الكبير "رومان رولان" الذي وصفه بأنه (نصف إله زائل سيقود إنسانية جديدة إلى طريق جديدة) وحلل شخصيته، وكيف استطاع أن يقف في وجه أكبر امبراطورية على وجه الأرض، ويحقق لشعبه الحرية والاستقلال دون أن يلجأ إلى نوع من أنواع العنف. وقال (أنشتين): "سوف يتعذر على العالم بعد ألف عام أن مثل هذا الرجل كان يمشي بين الناس يوماً ما".
لقد كان مرهف الروح ويحس بكرامة الإنسان في كل مكان، ملك قلوب شعبه بإنسانيته وبمحبته، وقد قال وحقق ما قال: (لا أريد أن تكتنف الأسوار بيتي من كل جانب فتحجب عنه الهواء والنور، بل أريد أن تهب ريح الثقافات عليه من كل بلاد الأرض، فلا يعوقها عائق ما أمكن. لكنني أرفض أن تطيح بي ريحٌ منها، أو أن أعيش في بيوت غيري متطفلاً أو سائلاً أو عبداً).
كانت عقيدته في عدم العنف هي أنها قوة إيجابية إلى أقصى حد، وليس فيها مكان للجبناء والضعفاء، وكانت رسالته أن يوحد الهند، وقد أدى رسالته، وهناك رسالات أخرى تنتظر رجالاً آخرين.