زرادشت
مروان حبش- فينكس
يبدو أن الناس يحبطون إذا خلَتْ حياتهم من بعض الأساطير.
يحدد المؤمنون بزرادشت تاريخ وجوده بين القرن العاشر والقرن السادس ق.م، وهي قريبة من الفترة التي ظهر فيها الزاهد "بوذا" الذي نادى في بلاد الهند بقمع الشهوات، والحكيم الفيلسوف "كونفوشيوس" واضع الحكمة في بلاد الصين.
قد حملت به أمه حملاً إلهياً قدسياً، بعد تسرب ملاك إلى نبات الهَوما، وانتقل مع عصارته إلى جسم كاهن حين كان يقرب القرابين المقدسة، وفي ذلك الوقت نفسه دخل شعاع من أشعة العظمة السماوية إلى صدر فتاة راسخة النسب سامقة في الشرف، وتزوج الكاهن بالفتاة، وامتزج الحبيسان "الملاك والشعاع" فتكوَّن زرادشت من هذا المزيج، فلما ولد قهقه عالياً من أول يوم وُلد فيه، ففرت من حوله الأرواح الخبيثة، وهي مضطربة وجلة.
أحب الوليد الحكمة والصلاح فاعتزل الناس وآثر أن يعيش في برية جبلية، وأن يبكون طعامه ثمار الأرض، وأراد الشيطان أن يغريه ولكنه أخفق، وشق صدره بطعنة سيف وملأ أحشاءه بالرصاص المنصهر، فلم يشْكُ أو يتململ بل ظل مستمسكاً بإيمانه بـأهورا – مزدا (رب النور) الإله الأعظم، وتجلى له أهورا- مزدا ووضع في يديه كتاب العلم والحكمة (الأبستاق)، وأمره أن يعظ الناس بما جاء فيه. وظل الناس كلهم زمناً طويلاً يسخرون منه ويضطهدوه، حتى سمعه أخيراً أحد الأمراء الفارسيين، فأعجبه ما سمع، ووعده أن ينشر الدين الجديد بين شعبه، وهكذا وُلِد الدين الزرادشتي، وعمَّر زرادشت طويلاً، حتى أحرقه وميض يرق وصعد إلى السماء.
كان أكبر الآلهة في الدين السابق للدين الزرادشتي هو مترا إله الشمس، وأنيتا إلهة الخصب والأرض، والثور المقدس "هوما" الذي مات ثم بُعثَ حياً، ووهب الجنس البشري دمه شراباً ليسبغ عليه نعمة الخلود. وكان الفارسيون الأولون يعبدونه بشرب عصير عشب الهوما المسكر.
هال زرادشت ما رأى من هذه الآلهة البدائية، وهذه الطقوس الخمرية، فثار على الكهنة المجوس الذين كانوا يصلون لتلك الآلهة ويقربون لها القرابين، وأعلن في شجاعة أنْ ليس في العالم إلا إله واحد هو أهورا- مزدا إله النور والسماء، وأن الآلهة الأخرى ليست إلاَّ مظاهر له وصفات من صفاته. وأصبح هذا الدين ملهماً للشعب الفارسي، ودعامة لملوكه الذين شنوا حرباً شعواء على العبادات القديمة وعلى الكهنة المجوس.
كان الكتاب المقدس للدين الجديد في بعض تعاليمه مماثلاً لما ورد في كتاب الهنود المقدس (الفيدا) من آلهة وتعاليم، ولما ورد في الديانة البابلية القديمة مثل خلق الدنيا، وتسلسل الناس، وغضب الخالق على خلقه، واعتزامه أن يسلط عليهم طوفاناً يهلكهم جميعاً إلا قلة صغيرة منهم. ولكن ما فيها من عناصر فارسية خالصة تكفي لصبغ (الأبستاق) بالصبغة الفارسية العامة. فالفكرة السائدة فيه هي ثنائية العالم الذي يقوم على مسرحه صراع يدوم اثنى عشر ألف عام بين الإله أهورا – مزدا والشيطان أهرمان، وأن أفضل الفضائل هما الطهر والأمانة وهما يؤديان إلى الحياة الخالدة. وأن الموتى يجب ألاَّ يدفنوا أو يحرقوا، بل يجب أن تعرض أجسادهم في "أبراج الصمت" للطيور الجارحة كيلا تدنس العناصر المقدسة بدفنها في الأرض أو حرقها في الهواء.
كان إله زرادشت في بادئ الأمر هو: "دائرة السماوات كلها"، فـ"أهورا- مزدا "يكتسي بقية السماوات الصلبة يتخذها لباساً له، وجسمه هو الضوء والمجد الأعلى، وعيناه هما الشمس والقمر". يسمو على كل شيء، وهو الذي أخرج العقل الخير، أي الحكمة الإلهية التي خلقت الكائنات. وللإله أهورا-مزدا سبعة مظاهر هي: (النور، العقل الخير، الحق، السلطان، التقوى، الخير، الخلود). وهذه المظاهر خلقت العالم وتسيطر عليه بإشراف أهورا- مزدا وإرشاده. واعتقد أتباع زرادشت أن هذه المظاهر قديسون خالدون، كما اعتقدوا أنه يوجد إلى جانبهم سبعة شياطين يحومون في الهواء، ويغوون الناس على الدوام بارتكاب الجرائم والخطايا، وتشتبك أبد الدهر في حرب مع أهورا- مزدا ومع كل مظهر من مظاهر الحق والصلاح. وكان كبير هذه الزمرة من الشياطين أهرمان أمير الظلمة وحاكم العالم السفلي الذي خلق كل مصائب الحياة والآثام التي خربت الجنة مقر الجدين الأعليين للجنس البشري.
كانت الفكرة الزرادشتية عن الإله ترضي عقلاً يهتم بدقائق الأشياء وتفاصيلها، لأن أهورا- مزدا، كان جماع قوى العالم التي تعمل للحق، والأخلاق الفاضلة، وأن قوى الشر ستُغلب آخر الأمر ويكون مصيرها الفناء بعد أن يمر العالم بأربعة عهود طول كل منها ثلاثة آلاف عام يسيطر عليه فيها على التوالي أهورا- مزدا وأهرمان، ويومئذ ينتصر الحق في كل مكان، وينعدم الشر فلا يكون له من بعد وجود. ثم ينضم الصالحون إلى أهورا- مزدا في الجنة ويسقط الخبيثون في هوة من الظلمة يطعمون فيها أبد الدهر سُماً زعافاً.
إن صراع الخير والشر في الزرادشتية أيقظ في خيال أتباعها حافزاً قوياً مبعثه قوة خارجة عن القوى البشرية، يحض على الأخلاق الفاضلة ويصونها، وداخل النفس البشرية تتصارع الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، وفي كل عمل يقوم به الإنسان أو يغفله يرجح قضية أهورا- مزدا أو قضية أهرمان، وهذه فلسفة تضفي على الحياة الإنسانية عامل الإرادة الحرة، وليس الإنسان لا حول له ولا طول، أو أنه بيدق يتحرك بغير إرادته. وفي مقدوره أن يختار طريق النور أو طريق الكذب، وأهرمان هو الكذبة المخلدة، وكان كل كذاب خادماً له. وتقول الأبستاق إن على الإنسان واجبات ثلاثة: "أن يجعل من العدو صديقاً، وأن يجعل الخبيث طيباً، وأن يجعل الجاهل عالماً". وأعظم الفضائل هي التقوى، ويأتي بعدها مباشرة الشرف والأمانة قولاً وعملاً.
ومن مظاهر الديانة الزرادشتية اشعال النار في الهياكل المقدسة تكريماً لأهورا- مزدا أو لغيره من اصغار الآلهة، وكان أتباع الزرادشتية يتخذون النار نفسها إلهاً يعبدونه، ويعتقدون أنها ابن إله النور، وكانت كل أسرة تجتمع حول موقدها، تعمل على أن تظل نار بيتها متقدة لا تنطفئ أبداً. وكانت الشمس نار السموات الخالدة تعبد بوصفها أقصى ما يتمثل فيها أهورا- مزدا. وكانوا يقربون إلى الشمس، وإلى النار، وإلى أهورا- مزدا القرابين. وكان "أستودا" إله الموت يعثر على كل إنسان أياً كان مقره، فهو الباحث الواثق، الذي لا يستطيع الإفلات منه آدمي ولو كان من أولئك الذين يغوصون في باطن الأرض. وكان لا بد لأرواح الموتى بأجمعها أن تجتاز قتطرة تصفى فيها، تجتازها الأرواح الطيبة إلى "مسكن الفناء" حيث تلقاها وترحب بها فتاة عذراء ذات قوة وبهاء، وصدر ناهد مليء، وهناك تعيش مع أهورا- مزدا سعيدة منعمة أبد الدهر. أما الروح الخبيثة فتتردى في درك من الجحيم يتناسب عمقه مع ما اقترفت من ذنوب، تعذب فيها أبد الآبدين.
يعتقد الزرادشتيون أن العالم يقترب من نهايته المحتومة، ذلك بأن مولد زرادشت كان بداية الحقبة العالمية التي طولها ثلاثة ألاف سنة، وبعد أن يخرج من صلبه في فترات مختلفة ثلاثة من النبيين ينشرون تعاليمه في أطراف العالم، يحل يوم الحساب الأخير، وتقوم مملكة أهورا -مزدا، ويهلك أهرمان هو وجميع قوى الشر هلاكاً لا قيام لها بعده. فيبعث الموتى، وتعود الحياة إلى الأجسام، وتتردد فيها الأنفاس، ويخلو العالم المادي كله أبد الدهر من الشيخوخة والموت والفساد والانحلال.