عالم جيلنا يمضي.. مكتبة نوبل هل تذكرونها؟

محمد صباح الحواصلي
سنة ١٩٧٠، أغلب ظني، أسعدني افتتاح مكتبة جديدة في شارع ميسلون، مقابل ملعب التنس التابع للنادي العربي، خلف نادي الضباط. المكتبة صغيرة الحجم لكنها غنية بتنوعها وبصاحبها المثقف اللبق السيد جميل نزر. اسم المكتبة (نوبل) نسبة إلى مبتكر جائزة نوبل الصناعي السويدي ألفرد نوبل. لكن تفعيل قرار تعريب أسماء المحلات والمنشآت التجارية والسياحية في سورية، فرض على صاحب المكتبة أن يغير اسمها من (نوبل) إلى (نُبْل)، فلم يُصِبْ التغييرُ الاسمَ إلا قليلاً: كتابة حرف الواو عوضاً عن الضمة.
إن افتتاح مكتبة جديدة وسطية الإتجاه، في محيط فيه مكتبتان اتجاهها يساري (مكتبة ميسلون، ومكتبة الزهراء،) أضفى على مكتبات المنطقة تنوعاً من شأنه أن يعدل من حدّته الماركسية.
والسيد جميل نزر مثقف أرمني، من أهالي دير الزور، لطيف المعشر، صدوق، ودود مع زبائنه، دبلوماسي، جعلته ثقافته المتنوعة الليبرالية ألا يكون بائع كتب فحسب بل خبيراً في شؤون الكتب والمراجع والمعاجم مع زبائنه، وكنت أنا – طالب البكالوريا حينها - خلال زياراتي الأولى لمكتبته، أحد من استفاد من نصحه.
أذكر أن أول كتاب اشتريته من مكتبته كان قصة (الشيخ والبحر) لهمنجواي، ترجمة شيخ المعربين منير بعلبكي، ومنذ ذلك اليوم استأنست مكتبته ولم تنقطع زياراتي لها ما دمت في دمشق.
كان من عادتي عصر كل يوم أن أخرج من البيت مشياً إلى كشك ياسين وأحمد العلاف للصحف والمجلات في الصالحية، الواقع تحت درج بناء مواجه مبنى البرلمان، أسلّم على صاحبه، ندردش قليلاً، ويعطيني جرائدي ومجلاتي المحجوزة، وأتابع تريضي إلى مكتبة نوبل ثم مكتبة النوري ومكتبات الحجاز ولا سيما مكتبة سليمان بواب. كنت أقوم بهذه الرحلة على نحو يومي تقريباً ولا سيما خلال فترة دراستي الجامعية. ثم أعود أدراجي إلى البيت حاملاً جرائدي ومجلاتي وأحياناً كتاباً أشتريته.
كان جميل يدعوني كلما قصدت مكتبته إلى الجلوس خلف كاونتر الكتب، نتحدث في شؤون الأدب والفكر والسياسة وواقع الحال في سورية. كنت عندما يدخل زبون وينصرف جميل إليه مرحباً أقف وأجول بناظري برفوف الكتب بمتعة ما أشبهها بالإدمان. وفي مكتبته التقيت مع بعض أهل الفكر والأدب والفن في سورية، منهم من أعرفهم معرفة شخصية كالدكتور هاني الراهب، وفاهيه تمزجيان، والدكتور عبد الله أبو هيف، وبندر عبد الحميد، أو من قرأت لهم مثل علي عقلة عرسان، وسعد الله ونوس وناديا سعادة ورياض عصمت.
ولم يحصل أنني زرت مكتبته دون أن يكون في ذهني اسم كتاب أبحث أو أسأل عنه، وبالمقابل لم يحصل أن أتيت مكتبته دون أن يخبرني عن كتاب جديد يعرف أنه يثير اهتمامي، أو كتاب يثير زوبعة. من كتب الزوابع هذه أمسك جميل مرة بكتاب كبير الحجم (حوالي ٨٠٠ صفحة) اسمه (الكتاب والقرآن) صدر عام ١٩٩٠ للدكتور محمد شحرور، وكان الكتاب حينها حديث القراء. أخرج الكتاب من على الرف وقدمه لي لكي اطلع عليه. أمسكته بفتور، ولم أعلق عليه، فقال لي جميل:
"أنت من بين الزبائن الذين لا تشغلهم الصرْعات."
أجبته: "بحجم هذا الكتاب أقرأ – مثلاً - إبداعات القاص إبراهيم أصلان كلها."
أذكر أن الأحداث الصادمة خلال فترة ترددي على مكتبة نوبل كان لها الغلبة في حديثنا. كمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي كانت صادمة لكلينا. لا أذكر أن أحاديثنا تناولت أموراً لا تمت للثقافة والتاريخ والأدب، وكان مُناخ الكتب المحيطة بنا مدعاة للتحريض أيضاً. من الأحاديث التي تناولناها باقتضاب حديث عن موجة الكتب التي تناولت مدينة دمشق وأعلامها، وحديثنا عن هنري ميلر (ولم يكن أي من كتبه قد ترجم إلى العربية حسب علمي) وأرنست همنجواي (الأكثر رواجاً على مدى سنين طويلة) وكولن ولسن وكتابه "اللامنتمي" (الأكثر والأسرع صعوداً وهبوطاً)، وكتب سارتر وكامو وسيمون دو بوفوار (الأكثر دواماً وكأنها لبُنات راسخة في صرح الثقافة المعاصرة في سورية)، وترجمات الدكتور سامي الدروبي لأعمال ديستوفسكي، وترجمته للحرب والسلم (اقتنيت تلك الترجمات من مكتبته)، ورواية (دكتور زيفاكو) لبوريس باسترناك (الرواية التي نشرَ جميل ترجمة جديدة لها فيما بعد عندما أسس داراً للنشر)، ومذبحة الأرمن سنة 1915، وغيرها من المذابح العربية مثل صبرا وشاتيلا. ليت ذاكرتي أكثر سخاءً معي مما هي عليه لترفدني بما نسيته، فأنا أعلم أن فيها الكثير مع جميل وشقيقه أدمون لكن ذراعي لم تصل إلى قاع ذاكرتي لتمسك بتلك اللقاءات التي نسيتها. كانت أحاديثنا العفوية تمثل روح مكتبته الوسطية، فهي ليست كمكتبات الحجاز ذات الاتجاه التراثي، وليست كجاراتها ماركسية النزعة (كمكتبات ميسلون والتنبكجي والزهراء)، إنما هي مكتبة وسطية معتدلة يجد القارئ فيها ما ينشده من كتب دون إيغال في التخصص.
وكان من عادة جميل عندما أعود من سفري أن يهديني كتاباً أو أكثر من مكتبته. أذكر منها (المرأة الملونة) لسلوى زكزك، ورواية (الولد الجاهل) لفواز حداد.
أثنى جميل ذات يوم على مجموعتي القصصية "منمنمات على جدران دمشق القديمة" التي صدرت عام ١٩٩٠، وعرض نسخاً من مجموعتي في مكتبته، وكم سُعدت عندما رأيت كتابي معروضاً في الواجهة الأمامية، وكان يخبرني كلما زرته عن حركة بيع الكتاب ويشجعني على الصبر والمثابرة ولا سيما أنه الكتاب الأول.
خلال السنوات الأخيرة، اشتكى جميل من ضعف القوة الشرائية للكتب، وتدهور الإهتمام بها مقابل موجة القراءة الإلكترونية، وبدأت تراوده فكرة قديمة للهجرة إلى كندا كان يدفعها عنه كلما باغتته إلى أن جاء السبب الباتر. كنت كلما زرت دمشق أتوقع ألا المكتبة أو أجدها قد تحولت إلى بائع سندويش أو الكترونيات. ثم حصل أن هاجر جميل واستلم أخوه أدمون المكتبة. وكانت المرة الأخيرة التي رأيت فيها جميلاً ومكتبته.
قرأت ما تداولته مواقع التواصل الإجتماعي عن حدث إغلاق مكتبة (نوبل)، وهي المكتبة الحادية عشرة التي أغلقت في دمشق خلال الحرب. كان وقع اغلاقها على نفسي ثقيلاً على الرغم من توقعي حدوثه، وكان السيد جميل قبل الشكوى من ضعف الإقبال على الكتب ومن الحرب المدمرة قد أخبرني لو يستطيع شراء المحل الذي بجانبه لكي يتوسع بالمكتبة.. لكن الأيام قضت بأن تضمحل رغبة التوسع وتنقلب إلى زوال. وأجدني الآن أردد كلمات صديقي الأستاذ نصر شمالي بعد إغلاق مكتبة نوبل:

"عالم جيلنا يمضي ويتلاشى... والظلام يشتد!"