من واقع المعاناة

مروان حبش- فينكس

 إن الفقر ينشأ من التباين الفاضح في توزيع الثروة، ولمَّا كان الفقراء المنتجون يبصرون ناهبي الثروة الوطنية وتراكمها عند الحكام وأنصارهم ومواليهم، يكون ذلك دافعاً لا يقاوم للتفكك السياسي، والفساد الاجتماعي، والانحلال الأخلاقي، والشراهة، وازدياد الأحياء المهمشة الفقيرة شيئاً فشيئاً كلما نمت ثرة الحاكم وحاشيته وزاد ترفها. ويصبح استغلال الشعب عادة مألوفة من رجال السلطة وأعوانها الطفيليين، ومن التجار الجشعين. وتزداد الهوة اتساعاً بين ذوي الحاجات الجياع، وبين أصحاب الثروات، وتكون الفروق واسعة في تراكمها وفي قسوة الاستغلال.
إن ذوي الثروات هؤلاء المنغمسون في الترف، والمنافقين الذين يتزلفون لدى السلطان متظاهرون بالولاء، والذين لا يرعون في الناس عهداً ولا ذمة، ويبتزون أموال الفقراء المنتجين، ويزدرون من يسلك العفة والنزاهة.
إن هؤلاء الأثرياء الجدد الذين أسرعت إليهم الثروة اسراعاً بالأساليب الملتوية، أسرى الأنماط الحديثة والحياة المترفة، ويركبون السيارات الفاخرة كبيرة الكلفة ينتقلون بها من وليمة إلى وليمة، يعرفون أن الشعب يدرك كيف تتكوَّن ثرواتهم، وكيف يجدون كل الحماية والتشجيع من السلطان في التمادي باستغلال الثروة العامة ونهبها، مقابل ولائهم غير المشروط.
وتحكي القصة عن مثل هؤلاء المنافقين، أن ملك الميديين المخنث أستياجس غضب على أحد المتزلفين واسمه هرباجس فقدم له أشلاء ابنه بعد أن قطع رأسه وأرغمه على أن يأكل لحمه، فأكله وهو يقول: إن كل ما يأمر به الملك يُسرّه.