عند جهينة الخبر اليقين

محمد ابراهيم- فينكس:

سأل الخليفة المأمون عمه عبد الله ابن الحسن المتقدّم في السن ما بقي من رغباتك يا أبا علي؟
قال أبا علي: لي رغبتان، الأولى اللعب مع الأحفاد والثانية الحديث مع الصم البكم.
قال المأمون: الأولى عرفناها، فماذا عن الثانية؟
قال أبا علي: قراءة الكتب، لا تزعجك بصوت أو سمع أو بصر.
هذا في زمن المأمون الذي كان يمنح من يترجم كتاباً وزنه ذهباً.. أما في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين من الألفية الثالثة فغالبية العرب يعتبرون الكتاب ذكرى من ماضٍ اكله الدهر ونبت الخريف على صدره.
ومن يتابع تقارير التنمية العربية والعالمية يصاب بخيبة الأرقام ان لم يكن في سمعه وبصره وعقله، فالعرب آخر البشر في تقارير التنمية العالمية، وآخر البشر في الانفاق على البحث العلمي، وآخر البشر في قراءة الكتب وترجمتها. لكنهم الأوائل في الانفاق على التسلح والخيانة والاهمال وترك مقدساتهم محتلة وغياب أمنهم الغذائي والمائي والثقافي وما يرافق ذلك من بؤر فقر وجنوح وتطرّف.
وما يزيد الطين بلة التقاعس وعدم الرغبة بالتخلص من الاميّة التقليدية، فتزداد الأميّة الثقافية والإلكترونية. فدخل العرب الأميّّة من أوسع الأبواب وأكبر الأرقام، فهي وسطياً بين ٣٠ - ٦٠ ٠/٠ في ظل قراءة لا تتجاوز /٦/ دقائق /السنة، وهم آخر البشر في الانفاق على البحث العلمي بعد إفريقية بمبلغ بين ٠،٣ - ٢ ٠/٠ من ناتجهم الاجمالي، ومعظم الدارسين في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، وآخر البشر في براءات الاختراع وفنون الانتاج، حتى في سرعة النت "عدا دول النفط" فيما الصين التي استقلت مع معظم الدول العربية استخدمت الجيل الخامس من أنظمة الإتصالات G5 وزادت كوريا الجنوبية سرعة النت المجانية عن ١،٢ تيرا بايت/ثانية، وتستعد الصين لاستخدام الجيل السادس من أنظمة الإتصالات G6 عام ٢٠٢٥ وزيادة سرعة النت عن اكزا بايت / الثانية.
وعند تحليل هكذا أرقام ندرك واقع وأسباب وحقائق ما نعاني منه، خاصة آفة الفقر وما يرافقها من أمراض اجتماعية وأخلاقية وسلوكية تؤثر سلباً على الجميع، في حين يدّعي البعض أنّ تأمين مستلزمات الحياة وحاجات البشر الأساسية أهم من القراءة والعلوم والتقنيات وغيره.
لكن كيف بتأمين تلك الحاجات والبشر تعاني من أميّة قراءة ومعلوماتية وبطالة مرتفعة واعالة منخفضة ودخل منخفض لا يلامس أيّ حدّ من حدود استمرار الحياة؟
لم يرتكب قادة الصين أخطاء عند إعلانهم الثورة الثقافية قبل الثورة الصناعية أو الزراعية، فالقراءة والعلوم والتقنيات أساس الصناعة والزراعة والتجارة والاستيراد والتصدير، فأين هي الصين أو الهند التي استقلت مع معظم الدول العربية؟
اذا كانت مجتمعاتنا العربية تنتمي إلى القرن /٢١/ زمنياً فإننا في الواقع نسير عكس الزمن، نسير خطوتان إلى الوراء وخطوة إلى الأمام، فلم نعد في الألفية الثالثة بل الألفية الأولى. فالعرب أمة اقرأ هي عملياً أمة لا تقرأ بالرغم من مئات ألوف الأدمغة والعقول والكفاءات والمتخصصين في مختلف الميادين العلمية، فلا ينفع إبداعهم في مغارب الأرض ومشارقها طالما لا تتوافر لهم ظروف عودتهم وفرص تحقيق ذواتهم وتحسين معيشتهم وتهيئة ظروف لأعمالهم وابحاثهم.
فمن بقي منهم في أوطانهم يمارسون أعمال لا تستحق الذكر، فهي تبديد الطاقةوالزمن وحرق للأعصاب والنفس، هذا ان لم تكن افخاخ منصوبة للحؤول بينهم وبين علومهم لأسباب معروفة للجميع، وللأسف دفعتهم الصدمات إلى قبول عروض من دول أو من شركات أجنبية.
فالعلم وابحاثه لم تعد لأبناء دول خلقوا فيها، بل أصبح لدول تحتوي علماء هاجروا إليها. فهل ندرك الخسارة التي نتكبدها جرّاء هجرة الأدمغة والعقول؟!
على سبيل المثال.. كانت كلفة الطالب السوري على الدولة من الابتدائية إلى نهاية المرحلة الجامعية ٧٠٠٠ دولار قبل عام ٢٠١١ أمّا حاليا ً فتزيد هذه الكلفة عن ١٠٠ الف دولار للطالب الواحد. وفي النهاية تنفق الدولة على العلم وصاحبه الذي يحزم حقائبه ويرفس ذويه ودولته ويهاجر بحثاً عن ظروف عمل ومعيشة أفضل.... والنزيف مستمر.. إلى متى؟