روفينوس، مبعوث روما في حضرة صاحبة الجلالة

مروان حبش- فينكس:

... مع أن زنوبيا كانت في طبيعتها نزَّاعة إلى الشك في مبادئ الأديان القائمة والمعتقدات السائدة، وبالتالي لا ترهب ولا تخشى أياً من تلك الآلهة، ولكنها إذا صدقت نبوءة معبد دارايا (سيحكم ابن الشمس"أي ابنها وهب اللات" أراضي الشمس)، لأنها بحاجة إليها... بحاجة إلى شيء من هذا القبيل يقوي عزيمتها، ويدفعها إلى الاستمرار في تحقيق طموحاتها، ويعينها على التصدي للأنباء التي وصلتها بعد مغادرتها "معبد دارايا" بشأن تنصيب أورليان امبراطوراً لروما.
وهكذا ما كادت تستقر في عاصمة ملكها حتى أعلنت الاستقلال عن روما، ورفضها الخضوع لها، أو الانقياد أليها، بدءاً من الأسابيع الأولى من عام 270 للميلاد. وهي الآن تستعد لتستقبل بعد قليل مبعوثاً دبلوملسياً من روما، لا بد أنه جاء يقدم احتجاجاً باسم الامبراطور الجديد.
تعمدت الملكة إطالة تمتعها باسترخاء لذيذ في مياه حمامها الدافئة، تاركة المبعوث الدبلوماسي ينتظر في ردهة الاستقبال، إمعاناً في تحدي غطرسة هؤلاء الرومانيين الذين لا يخفون ازدراءهم لكل ما هو شرقي وعربي.
خرجت زنوبيا، الملكة الشهيرة التي شغلت المشرق والمغرب، الملكة التي تتسلح بجمالها وبجسارتها وإقدامها، الفارسة كأفضل الفرسان، للقاء روفينوس، المبعوث الروماني.
دخل روفينوس إلى قاعة المجلس تحت رقابة الملكة ونظرها المتفحص، ووقف في مواجهة الملكة التي كان يجلس القائد زابدا والفيلسوف لونجينوس بقربها، وقال:
- التحيات للسيدة زنوبيا، أرجو أن تكوني بخير.
- بخير وبمزاج طيب. التحيات لك با روفينوس.
- عفوا يا سيدتي، تكرمي عليَّ بطرق الموضوع مباشرة. إن تدمر تتبع روما منذ مايتي سنة فلا يمكن تغيير وضعها الشرعي هذا عرضاً وبدون مبالاة.
- لقد غيَّر زوجي وضع تدمر يوم هزم الفرس الذين مسحوا الأرض بجيش روما، ومرغوا أنف امبراطوريتكم بالوحل.
استعادت زنوبيا هدوء أعصابها، فابتسمت وقالت:
- قل لسيدك أورليان إن تبعية تدمر لروما لم تعد قائمة ولكن، أخبره، أيضاً، أنه إن كان يرغب في حليف أو نصير أو شريك ندٍّ، فإني أنتظره بيد ممدودة، أنا أحكم مملكة بيسر وهينة، وأحمي حدود مملكتي الشاسعة، فهل تشك بقدرتي؟
- ربما... ولكن ما الذي تتمكن امرأة أن تفعله امرأة واحدة، وحيدة.
مالت زنوبيا قليلاً إلى الوراء، وتشبثت يداها بذراعي مقعدها، وابتسمت برقة ثم قالت بصوت عذب، ومشحون في آن واحد بالألم والحزم والقوة:
- يا للعار {أقوالك تحمل في طياتها ما يخجل ويخزي، لا يدهشني أن يبخسني الآخرون التقدير أو يستخفوا بقدراتي. الذي يدهشني حقاً أن يصدر ذلك عنك أنت، أنت البارع الماكر، أنت بالذات ياروفينوس{فلقد أثبت لي الآن أنكم، معشر الرجال، تتشابهون جميعاً، حتى الأذكياء والموهوبين منكم{ كنت تردد منذ لحظة: (امرأة) و (امرأة وحيدة) (وامرأة واحدة)... كما لو أنه على المرأة أن تبقى دوماً ملتصقة بالرجل، تذوب فيه، ولا ترتفع أبداً إلى مستواه. آراؤك هذه باطلة ورديئة بقدر ما هي كذلك، آراء "زابدا" الذي يحاول التأثير والضغط عليَّ، مثلك تماماً، ولكن من اتجاه معاكس لاتجاهك. فهو قلق عليَّ لأنني لست أكثر من امرأة، ومن أجل ذلك يسعى لإقناعي بالزواج. إنه يردد على مسمعي دوماً: (يجب أن تتزوج المرأة)، لن تستطيعي الاستمرار في الحكم بمفردك)، (ذلك أمر طبيعي)، أترى؟ إنه أمر غير طبيعي أن تحافظ المرأة على حريتها وسلطتها، لكنه من الطبيعي، في نظره، أن تستسلم المرأة، مهما كانت مواهبها رفيعة وإمكانياتها غزيرة وشخصيتها قوية، لتصبح سجينة الرجل، عبدة له، رقيقة من الأرقاء... بائسة، تعيسة وخسيسة.
قالت ذلك وانتصبت فجأة، وقد علت وجهها أمارات العنف والخشونة والسخرية، وتابعت تقول:
- نكتفي بهذا القدر من الحوار، لكنه يجب عليَّ أن أثبت لكم كلكم ما تستطيع امرأة أن تفعله. عليَّ أن أبين ذلك للفرس، ولقائد جيشي زابدا، ولك أنت ياروفينوس، ولسيدك أورليان أيضاً.
قل لسيدك أورليان إن التهديد لن يفيد معي، ولن يبعدني عن مملكتي، فأنا أعيش لها وأموت معها.
- هل لي أن أعيد على مسمعك الكلمات الثلاث التي حملتها معي إليك؟ (اكتفي بما عندك)، أما الآن فاسمحي لي يا سيدتي بالانسحاب.