من دراسة مطولة لي عن الحب
في دراسة مطولة لي عن الحب، كتبت الأديبة جمانة طه- فينكس
لم يتخذ الحب في الجزيرة العربية شكله المعروف اليوم، إلّا بعد ظهور الإسلام. فبعد أن كان الحب في الجاهلية عبارة عن تغزل بجسد المحبوبة، تحول في الإسلام إلى نفس العاشق وروحه. فالحب لم يكن عارًا في الدين ولا في المجتمع، وهذا ما أشار إليه ابن حزم ت456ه في كتابه "طوق الحمامة: في الألفة والألاف"، فقال:
"الحب ليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ أن القلوب بيد الله عَزَّ وجلَّ." ولذلك ليس صدفة بأن تكون الأديان التي حركت عقول البشر، قد أكثرت من الحديث عن الحب الذي يثري حياة الإنسان خيرًا وراحة. فالله محبة، ومن سكن الحب في قلبه سكن الله فيه. واللافت أن حرية التعبير عن المشاعر الإنسانية التي توافرت في كتب الفقهاء والعلماء والأدباء العرب والمسلمين، نفتقدها اليوم في زحمة التخويف وتكاثر الأيدولوجيات والتكفير.
ولأنَّ الحب قضية إنسانية تخص البشر على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وأعمارهم ومستوياتهم العقلية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، اهتم به فقهاء المسلمين فكانوا أول من كتبوا عنه وبحثوا عن دوافعه وذكروا صفاته وعددوا أنواعه ودرجاته. فإذا كان للحب عند الأمم والشعوب اسم أو اسمان، فله عند العرب أسماء كثيرة كما جاء في كتاب "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" للإمام ابن قيم الجوزية 691-751ه، منها: الهوى، الوجد، الكَلَف، الجَوى، الوَلَه، التتيم، الشغف، العشق، والصَبْوَة ووردت بلفظة فعل في سورة يوسف: " وإلّا تَصرفْ عنِّي كيدَهُنَّ أَصبُ إليهنَّ وأكنْ من الجاهلين". كما اهتم علماء اللغة بتعريف الحب وتحديد معانيه، فقالوا: إنه نقيض البغض. وإنه الوداد والمحبة، والمحبة من الصفاء. فالعرب تقول لصفاء الأسنان ونضارتها، "حَبَب الأسنان". وهي لفظة مأخوذة من "الحَبَاب" وهو ما يعلو الماء عند المطر الشديد. وقالوا أيضًا عن المحبة، إنها غليان القلب وثورانه للقاء المحبوب. وإنها مشتقة من اللزوم والثبات، ومنه أَحبَّ البعير إذا برك. فالمحب يلزم محبوبه، ولا يروم عنه انتقالًا. وذكروا أنها قد تكون مأخوذة من القلب والاضطراب، فالقِرطُ سُمِّيَ "حِبَّا" لقلقه في الأذن واضطرابه. وسوى ذلك من معان كثيرة وعديدة.
وكما أنَّ للحب أسماء وصفات وتعاريف، فله أيضًا أنواع عديدة منها الحب الإلهي أو الصوفي الذي يبلغ فيه المتصوف أعلى درجات النقاء، حيث يفنى المحب بالمحبوب وتنمحي الذات الواحدة في الكل. يقول الشاعر سعدي الشيرازي:
قالَ لي المحبوبُ لمَّا زرتُهُ/ مَنْ بِبَابي؟ قُلتُ: بالباب أنا
قالَ لي أنكرتَ توحيدَ الهوى/عندما فَرَّقتَ فيهِ بيننا
ومضى عامٌ، فلمَّا جئتُهُ/ أَطرقُ البابَ عليه مُوهَنَا
قالَ لي مَنْ أنتَ؟ قلتُ انظرْ/ فما ثَمَّ إلّا أنتَ بالبابِ هُنا
قالَ لي أدركتَ توحيدَ الهوى/ وعرفتَ الحبَّ فادخلْ يا أنا
وفي هذه المناسبة أتساءل: من منّا لم يحب؟ من منّا لم يتلهف شوقًا إلى المحبوب، ويتذكر تلك اللحظات السعيدة؟ من منّا لا يستحضر صورة محبوبه في كل لحظة، ويضعها بين الجفن والعين؟ من منّا لم ير سعادته في بضع كلمات تلفظها شفتا هذا المحبوب، ويرى شقاء الدنيا في بضع كلمات أخرى منه؟ مَنْ منَّا لا يظن أنَّ الحب هو الحياة، وأنَّ لحظات الحب القصار هي التي تعطي أيام المحب معنى وقيمة؟
فلو أننا عدنا إلى قصص الحب العتيقة اتي سمعنا بها أو قرأنا عنها، لرأينا أن عشاقها قدموا حبهم على جميع الاعتبارات المتصلة بحياتهم. وهذا مما أدى بهم في كثير من الأحيان إلى الكمد والشقاء، وحتى إلى الموت.
فقد أكد هوميروس في الإلياذة على أنَّ الحب المجنون يصنع العالم، ويغير الممالك ويدك العروش. أليس هذا النوع من الحب هو الذي أشعل حرب طروادة، ومات من أجله آلاف الرجال.؟ أليس هو الذي شجع عنترة على خوض القتال دفاعًا عن قبيلته، ليتحرر من العبودية ويفوز بحبيبته.؟ أليس هو الذي دفع بمارك انطوني ليقدم حبه لكليوبترا على حبه لروما، فاختار الإسكندرية إكراما لها وترك روما تذوب في نهر التيبر.؟
وقد صور الأديب مكسيم غوركي الحالة النفسية للرجل تحت تأثير الحب، فقال: "لو قالت امرأة لرجل تحبه ويحبها انفخ وحرك الشمس من موضعها لنفخ، وإن كان ذلك لا يجدي. وإن سألته أن يجمع لها بعض الأزهار والمطر ينهمر، لاندفع يجمع ما تريد". وفي هذا المعنى يقول الشاعر الأموي ابن الدمينة ت130ه:
ولو قلتِ: طَأْ في النارِ أعلمُ أنَّهُ/ هوىً لكِ أو مُدْنٍ لنَا مِنْ وصالكِ
لقدمتُ رِجلي نَحوهَا فَوطِئتُهَا/ هُدىً منكِ لي أو غِيةً مِنْ ضلالكِ