روسو الفتى الشريد وجوّاب الآفاق 2من4

مروان حبش- فينكس

1712- 1778

في واحدة من زياراته لصديقه ديدرو في سجن فانسين عام 1749، قرأ في مجلة "المركيز دو فرانس" إعلاناً عن جائزة تقدمها "أكاديمية ديجون" لأفضل مقال عن السؤال التالي: "هل أعان إحياء العلوم والآداب والفنون على إفساد الأخلاق أم على تطهيرها"، وأغراه الإعلان بدخول المسابقة، ويقول: (فجأة أحسست أن مئات الألوان المتلألئة تخطف بصري، وتزاحمت حشود من الخواطر النابضة بالحياة في قوة واختلاط جعلاني أضطرب اضطراباً لا يوصف وأحسست برأسي يدور في دوائر كأنني مخمور... وأرجو أن يتسنى أي إماطة اللثام عن كل تناقضات نظامنا الاجتماعي، وأن أبين أن الإنسان بفطرته خيِّرٌ، وأن نظمنا هي التي جعلته شريراً). كاشف روسو صديقه ديدرو عن نيته في دخول المسابقة، فهلل للفكرة وأشار عليه بأن (يهاجم حضارة جيلنا بكل ما في وسعة من قوة). ولما كتب مقاله للمسابقه دفعه لديدرو فرضي عنه، بعد أن أشار ببعض تصويبات يجب إجراؤها. وأرسله للأكاديمية التي توجت المقال في 23 آب 1740،
بالجائزة الأولى وهي ميدالية ذهبية وثلاثماية فرنكاً، وكتب ديدرو إلى روسو: (إن مقالك ساحرٌ إلى حدٍّ فاق كل تصور، وقد أدركت أنه هاهنا في قلب حركة التنوير تماماً، قام رجلٌ يتحدى عصر العقل، بصوت سيصغي إليه العالم).
لم يتلق روسو أي دخل من بيع مقاله، كما أنه عانى آلاماً شديدة من مرض المثانة أجبره على الاستقالة من وظيفته، وعاد يكسب مالاً لقوته من نسخ كراسات الموسيقى. وفي تشرين الأول 1752، عرضت أوبريت "عراف القرية"، التي كان قد ألَّفها وحضر حفل افتتاحها، أمام الملك والبلاط في فونتبلو، ثم عرضت في باريس في آذار 1753، ونالت إعجاباً واستحساناً، مما أتاحت له فرصة أن يُستدعى لمقابلة الملك، ولكن مرضه ألزمه بأن يعتذر عن الحضور، أما مدام "دومبادور، "خليلة الملك" التي أعجبت بالأوبريت ومثلت دوراً فيها، أرسلت له مبلغ خمسين جنيهاً ذهبياً، وأيضاً، أرسل له الملك مبلغ مائة جنيهاً ذهبياً، مما حمل روسو على القول (إن موسيقاه أكسب له من فلسفته)، وهذا دفعه إلى أن يكتب للموسوعة التي يحررها ديدرو، قاموساً للموسيقى كان أكثر إمتاعاً للجيل في ذلك الزمن.
لقد ندد روسو بمقالة كتبها بالعلم والفلسفة، ودافع عن الدين، كما جدد حربه على الحضارة في مقدمة مسرحية "نارسيس" الهزلية.
في تشرين الثاني 1753، أعلنت "أكاديمية ديجون" عن مسابقة أخرى، وكان السؤال: (ما الأصل في عدم المساواة بين البشر، وهل يقره قانون الطبيعة)، واسترعى هذا السؤال انتباه روسو وحفزه على الاشتراك في المسابقة ببحث عنوانه (مقال في أصل وأسس عدم المساواة بين البشر)، وأهدى هذا المقال إلى "جمهورية جنيف"، التي كان في حزيران 1754، قد عاد إليها من باريس التي أضنت روحه، ورحب به سكانها (ابناً ضالاً، قد تاب إلى رشده)، وعاد إلى اعتناق المذهب الكالفيني، ورُدَّ إليه اعتباره "مواطناً"، وراح بعدها يوقع بكل فخر باسم "جان- جاك روسو المواطن". وبارك معبود الثورة الفرنسية، القيود المفروضة على الديمقراطية في جنيف.
أكد روسو في مقاله بأن (ضروب عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخلقية، نشأت حين ترك البشر الحالة الطبيعية، وأقاموا الملكية الخاصة، وأسسوا دولاً تحمي الثروة والامتيازات). ورغم أن المقال لم يفز بالجائزة، ولكنه أصبح الحديث المثير لصالونات باريس بعد نشره في حزيران 1755، ولكن روسو الذي كان قد كتب المقال بكل حماسة قلبية، لم يشعر بأن أحداً من سكان جنيف سُرَّ بما تضمنه هذا المقال.
في تشرين الأول 1754، عاد روسو إلى باريس، على وعد بالعودة منها سريعاً، وخلال الثلاثة أعوام اللاحقة كان من جميع الوجوه يعتبر واحداً من جماعة الفلاسفة.
وشهد عام 1755، ظهور بحث طويل لروسو في المجلد الخامس من "الموسوعة" عنوانه (مقال في الاقتصاد السياسي)، خالف في بعض تفاصيله الهامة ما ورد في المقالين السابقين، إذ أنه أجَلَّ المجتمع، والحكومة، والقانون، باعتبارها نتائج طبيعية لفطرة الإنسان وحاجاته، ويصف الملكية الخاصة بأنها هبة اجتماعية وحق أساسي، ولكنه واصل التنديد بالظلم الاجتماعي وبما في القانون من محاباة طبقية، ويؤكد في مقاله، بأن في كل مجتمع "إرادة عامة" فوق المجموع العددي لما يحبه الأفراد، والمجتمع في فلسفته، كائن اجتماعي له روحه الخاصة، وحول هذا المفهوم يقيم الأخلاق والسياسة التي ستغلب على آرائه في الشؤون العامة.
لم يحب روسو الإقامة في باريس وكان دوماً يفصح عن مدى ضيقه وتذمره، مما دفع سيدة تدعى "مدام دينيه" لتقديم المعونة له باسم الصداقة بينهما وعلى أمل أن لا ينفصل عنها، بأنْ خصته في نيسان 1756، بكوخ جميل لها في "لاشيفريت"، وأقام فيه مع تيريز وأمها.
لقد كان لكتابته رواية (جولي، أو هويلز الجديدة) التي أمضى ثلاث سنوات في كتابتها 1756-1758 ونشرت في شباط عام 1761، وبعد النجاح الكبير الذي لاقته من المواطنين والإقبال على شرائها كان ذلك أكبر مصدر لسعادته في الحياة. وخلال لوحات الأشخاص في روايته هذه، عرض روسو جوانب فلسفته كلها تقريباً، واستن الحجج التي سيوردها في كتابه "إميل" بتوجيه التعليم لتربية البدن، أولاً ثم لتربية الخلق، وبعد ذلك لتربية الذهن كي يقود الجدل العقلي. ولم تنل هذه الرواية إعجاب الفلاسفة، فوصفها "جريم": (بأنها تقليد هزيل لرواية اسمها كلاريسا، وتنبأ بأن النسيان سيطويها سريعاً)، وقال "فولتير": (ليس لدي من الوقت لإبداء الرأي في هذا الكتاب السخيف)، بينما كتب أحدهم: (إن روسو أوقف الحضارة كلها موقف الدفاع عن نفسها. وكان عقله من الاتساع والتنوع الجامع مما قدر له أن يزلزل نصف القارة الأوربية). أما روسو فقد ابتهج بالاستقبال الذي لقيه أول عمل طويل له، وتلقى مئات الخطابات يشكره فيها أصحابها على كتابه، وقال "ميشليه": (لم يعهد في تاريخ الأدب كله نجاح عظيم كهذا).
وبعد مغامرة عشق من طرف واحد لمدام دودتو التي أخبرته مراراً بأن يكف عن كتابة الرسائل لها، اضطر إلى مغادرة الكوخ الذي يأويه إلى كوخ في مونمورانس، وكان في مسكنه الجديد يرتعد مخافة أن ينخسف أرض الحجرة التي تهدمت تحت أقدام ضيوفه، ولم يكترث لفقره، فقد كان يكسب ما يكفيه بنسخ الموسيقى، ولم يعد تابعاً لامرأة غنية، ولقد خصته بعض الشخصيات الارستقراطية بصداقتها رغم تنديده بها، ولقد دار ظهره لأصدقائه السابقين، حتى أن "جريم" شكا من أن روسو (هجر أصدقاءه القدامى، واستبدل بهم قوماً من أعلى الطبقات). ومن أكثر الأمور أهمية ولافتة للنظر أن روسو أنتج في خمس سنوات ثلاثة من أعظم كتب القرن تأثيراً في تاريخ الأفكار، وهي (هلويز الجديدة، العقد الاجتماعي، إميل).
في شهر تشرين الأول 1758، نشر روسو خطاباً موجهاً إلى مسيو "دالامبير" عن المسرح، وكان على اعتدال لهجته، إشهار حرب على عصر العقل، وعلى زندقة فرنسا وفساد خلقها في منتصف القرن الثامن عشر، وكان لهذا الخطاب الأخلاقي وكتاباته الأخرى تأثيراً يكاد يكون ثورياً في عودة اللياقة في عهد لويس السادس عشر.
خاصم روسو جماعة الفلاسفة "فولتير، ديدرو، جريم...." حتى أن فولتير كان يدعوه سراً (بالمشعوذ والمجنون والنسناس الصغير)، وأصبح القرن الثامن عشر بعد 1760 ملكاً لروسو، وأوشكت "دولة الفلاسفة على أن تزول"، وخاصة بعد أن نَشر عام 1762 كتابيه "في العقد الاجتماعي" وإميل"، وبعد وفاته نُشرت "الاعترافات" و"الحوارات" و "أحلام جوال منفرد".
لم يوهب روسو الذهن المنظم، والإرادة الصابرة، والطبع الهادئ، والاستدلال العقلي، ولكنه وُهب الوجدان فقط، وأعطى العالم عام 1762، رائعته (في العقد الاجتماعي، أو مبادئ القانون السياسي)، التي طبعت ونشرت في أمستردام، واستهل بها الفصل الأول بصيحة جريئة "وُلِد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مكبل بالأغلال"، وهو مزيج من قوانين حكومة جنيف وإسبارطة ومن مبادئ كالفن وقوانين أفلاطون، واتهم الدولة القائمة بتدمير تلك الحرية، وكان خطابه في هذا الكتاب الذي أطلق على الحكومات القائمة صرخة احتجاج قُدِر لها أن تُسمع من أقصى أوروبا إلى أقصاها، موجهاً إلى أكثرية الشعب، وهاجم النظام الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي بجملته وبشموله، بدا معه كل علاج مستحيلاً إلا علاج الثورة، وبهذه الأفكار، أصبح عام 1762، بداية لتاريخ تحول الفلسفة من مهاجمة المسيحية إلى نقد الدولة.
كان روسو بتخيله أنه قد فُوض بكامل الصلاحية تقريباً ليربي غلاماً طيباً جداً يُدعى "إميل"، تكون الطبيعة هي الهادي والمرشد للمعلم، ويُعطى الطفل كل الحرية التي تسمح بها سلامته، ووفِق في أن يجعل
كتابه هذا أمتع كتاب في التربية، وقال إنه لم يؤلف "إميل" للآباء العاديين بل للحكماء: (إن اهتمامي كان بتقديم خطة نظام جديد للتربية لينظر فيها الحكماء، لا طريقة يستخدمها الآباء والأمهات)، ويرد روسو في كتابه هذا (كل شيء للدين الطبيعي، وينظر إلى جميع الأديان على أنها تستوي في الخير)، ولذلك اتُهم بأنه يهدم صحة الكتاب المقدس، والنبوءات، وعصمة الوحي، وسلطان الكنيسة، ويسخر من الدين المسيحي، ويجدف عليه.
ندد جماعة الفلاسفة بـ "إميل" باعتباره خيانة للفلسفة، وأدانه أحبار فرنسا وقضاة باريس وجنيف باعتباره مروقاً من المسيحية، واقترح مجلس الدولة في باريس إلقاء القبض على روسو، وأمر البرلمان بأن يمزق الكتاب المذكور ويحرق في فناء "قصر العدالة"، والقبض على جان- جاك روسو، وزجه في سجن "الكونسيرجي في قصر العدالة". ونصحه أصدقاؤه من النبلاء بالرحيل فوراً عن فرنسا والهروب إلى سويسرا، ويَسَّر له الكثيرون من رجال الحكومة عملية الهروب في 9 حزيران1762.
وبعد مكوثه شهراً في مدينة "إيفردون" في مقاطعة "بيرن"، أدان مجلس الخمسة والعشرين الذي يحكم جنيف، كلاً من "إميل" و "العقد الاجتماعي" لأنهما خارجان على التقوى، مفعمان بالتجاذيف والافتراءات على الدين، وأمر المجلس بحرق الكتابين وتحريم بيعهما، وأصدر مرسوماً بالقبض على روسو إذا دخل أرض الجمهورية. 
روابط لبجزء الأوّل من المقالة

https://feneks.net/index.php/books/%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9/60041-1-4