من هو "السامري"؟

عبد الكريم الجندي- فينكس:

من هذا السامري الذي يخترق قصة موسى النبي من دون إذن في التوراة والقرآن؟ لعلها شخصية مثيرة للعجب، من حيث غموض اسمها وعملها، والسرعة في انصياع قوم موسى له. هل عاقبه موسى على فعلته وهوالمضل وسبب الفتنة؟
لنبدأ القصة من الإسم:
السامري: قد يوحي الإسم بأنه لقب أو إسم مكان أو إسم لصاحب صنعة، كنجار أو حداد. و هل يعرف الإسم بالعربية بـ(ال)؟ فقد ورد في القرآن يامحمد وموسى وعيسى.. الخ، ولكن لانلاحظ ((ياالموسى ويا المحمد)) وهو خطأ شائع بالعربية وتستطيع أن تقول يا نجار ويا حداد ويا مسيح، وهذا ما يجعل كلمة السامري هي لقب لصنعة أو اسم لمكان ربما، وهذا يعطي أيضاً من حيث اللغة أن فرعون قد يكون اسم علم وليس منصباً ((اذهب إلى فرعون إنه طغى)) وليس اذهب إلى الفرعون! فأنت تقول لغة ((اذهب إلى المدير)) لأنها تشير للمنصب ولاتقول اذهب إلى مدير.
ولعل قائل يقول هو من السامرة، لكن أي سامرة؟ وهل كانت سامرة فلسطين موجودة بهذا الإسم؟ إذا ذكر صاحب المنطقة، فمنطقته تكون معروفة بشكل بديهي ومشهورة، لصاحب الخطاب، مثلاً عندما نقول (حلبي، مصري) فمصر وحلب مشهورة مألوفة للعوام، و لكن هذه السامرة لأي مبرر تمّ ذكرها؟ ولماذا لم يتم التطرق لإسم هذا السامري؟ كقارون، وآزر، ويحيى وزكريا؟ علماً أن القرآن ذكر النبي عيسى وذكر لقبه المعروف و هو المسيح، من فعل المسح بالزيت (أي المقدس الممسوح بالزيت) بالإصطلاح اليهودي (الماشيح)، فما هي القصة مع السامري في عدم ذكر إسمه وهوالذي فتن وأغوى، وقبض قبضة من أثر الرسول؟
في كتاب السامري للأستاذ عاطف عزت، يقول: أن أصل سامري يقسم إلى قسمين ((سا)) تعني (ابن) و(مر) تعني (هرم) أي ابن الهرم. طبعاً من حيث اللغة الهيروغليفية، فهل ياترى كان النداء هنا من حيث ثقافته؟ ربما تكون مقاربة منطقية، فكلمة سامري كما يقول الأستاذ عاطف عزت بعيدة عن اللغة العبرية والكلمة ليست عبرية.
إذا لم يكن من قوم موسى فمن أين أتى؟
3- انصياع القوم له بسرعة، فقد أضل القوم وأغواهم بعبادة العجل، لماذا لم يدع الربوبية كما فرعون (أنا ربكم الأعلى)، وإنما أغواهم بصناعة عجل ذهبي يكون لهم إلهاً؟
يظهر لنا مما سبق أن هذا السامري صاحب ثقافة وكاريزما قوية ويتقن الصنعة بصناعته العجل الذهبي، وربما كان الإفتتان بالعجل لأن البدو بشكل عام لم يكونوا أصحاب صناعة وتقانة، وأي صناعة؟ صناعة العجل المقدس عند المصريين (بقرة حتحور)، هل هو من مثقفي المصريين ومن السحرة الذين ربما خرجوا مع موسى ومن فقهاء الديانة المصرية (ديانة أخناتون التوحيدية)؟ وإذا كان كذلك، فهل أرجع قوم موسى إلى سابق عهدهم حيث الديانة المصرية الراسخة في قلوبهم بما فيها تقديس العجل الذي هو من معالمها المهمة؟ وهذا يبرر تعبير القرآن لقبضه قبضة من أثر الرسول، فالإغواء السريع الذي قام به لا يكون إلّا من شخص مثقف ذو فلسفة عريقة وفقه، وشخصية قوية، ومنطق أنيق، أثر في هؤلاء البداوة.
**القصة من حيث الرمز والتأويل العرفاني**
تؤوّل أغلب المذاهب العرفانية والصوفية، شخصية السامري بأنه صاحب النظر بالفقه وهو من فقهاء الحشوية، أي الفقه و العلم الخالي من الحكمة، و ذلك فقط عند مقارنته بعلم الأنبياء المؤيدين بالوحي، بشكل عام وبعلم موسى بشكل خاص، فحكمة هذه القصة الرمزية، أن هذا المثقف الفقيه صاحب القياس والحفظ (السامري) قد تزعم في غيبة موسى صاحب الحكمة، وترمز القصة لعلم السامري وهو صنعته لعجل له خوار، والخوار للعجل هو ظاهرة صوتية، تتقابل تماماً مع الفقه الذي هو مجرد كلام خال من الحكمة، ومجرد تأليف في الأصوات، ويقابلها موسى بالقصة، عند اختياره لبقرة وليس لعجل، فهي تحيي الزرع، وتسر الناظرين، البقرة تحرث وتدر الحليب، تلد، فهي الحكمة مع العمل، التي تفيد الناس، هذا مرمى القصة من ناحية الرمزية بالمجمل، و لكن لو عدنا للتفصيل في القصة وسياقها الزماني والمكاني، فهل ما أتى به موسى هو إعادة صياغة من قبله للديانة المصرية (ديانة أخناتون التوحيدية)؟ وهل فقه السامري هو ما كان مبنياً في قلوب قوم موسى ولم ينتهوا منه حتى فترة بعيدة من تاريخهم، و حاول السامري المحافظة على هذه الثقافة وإعادة طقوسها، إلى العبرانيين؟
4- ما عقوبة السامري؟ **
عند رؤية العجل الذهبي استشاط موسى غضباً، و أخذ بشعر لحية أخيه هارون ورأسه، وتنصل هارون وقال: هو السامري. و حسب الأستاذ عاطف عزت في كتابه عن السامري، تغيرت لهجة الخطاب مع السامري.
موسى الذي قتل المصري انتصاراً لإبن قومه الإسرائيلي، وهرب خوفاً من العقاب، إلّا أن السامري خانه في الديانة ولم يقتله، و إنما قال له حسب رواية القرآن:
((فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول (لامساس) و إن لك موعداً لن تخلفه )) طه 97
حسب شخصية النبي موسى فشد اللحية لأخيه يتناسب مع شخصيته، ولكن نبرة الخطاب والتعامل مع السامري هو موسى آخر، فهل كان للسامري هذه الكاريزما القوية حتى تغير معه موسى؟
ما قصتك ياسامري؟ ((ماذا صنعت حتى فتنت القوم))؟
المراجع:
كتاب "السامري" للكاتب عاطف عزت