كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لا للتخدير الهوياتي

ريتا خير بك

 رأيت منشوراً لمستحاثة بعثية، يبدو أنه من مشايخ البرغل أو مساعد أول سابق في جيش سقط ولم تسقط لغته، يشرح لنا بكل ثقة أن سبب “تشويه العلويين” هو الأعور الدجال: الإنترنت.
المشكلة ليست في الإنترنت. المشكلة أن الإنترنت كسر احتكار المشيخة، والبعث، والخوف، والجملة المعلّبة التي رُدّدت سبعين سنة: “نحن الإسلام الصحيح”.
هذه العبارة بالذات هي أكثر عبارة ساخرة في تاريخ العلويين النصيريين الحديث. لأن من يقولها غالباً لا يستطيع أن يشرح: أي إسلام؟ السني؟ الشيعي؟ الصوفي؟ الفقهي؟ السياسي؟ أم إسلام الدولة التي كانت تطلب منك أن تذوب كي تعيش؟
رفض العلوية من داخل الإسلام ليس اختراعاً حديثاً، ولا بدأ مع فيسبوك ولا مع غوغل. منذ ظهور الحركة العلوية النصيرية ضمن الفضاء الإسلامي العلني، كان الرفض موجوداً. لكنه لم يكن رفضاً فقهياً بارداً، ولا خلافاً نظرياً حول نص أو حكم شرعي؛ كان في جوهره رفضاً وجودياً عنيفا اباديا : رفض جماعة لا تدخل بسهولة في قوالب السنّة، ولا الشيعة، ولا التصوف، ولا الفقه الرسمي.
وهنا تبدأ المأساة: كلما عجزت الأرثوذكسية الإسلامية عن فهم جماعة وإخضاعها ، حولتها إلى تهمة. وكلما عجزت السلطة اي سلطة كانت عن استيعاب هوية، طلبت منها أن تنكر نفسها. وبعد كل موجة رفض، لم يكن يأتي “نقاش ديني” فقط، بل عزل، تكفير، تهجير، قتل، ومحو رمزي.
ثم جاء البعث، واشتغل على أكبر عملية تخدير هوياتي: دولة تقول إنها علمانية، لكن دين الرئيس فيها الإسلام، ومصدر التشريع فيها الإسلام، والمجتمع السياسي فيها محكوم بخيال إسلامي عميق. وفي هذا المناخ طُلب من العلوي أن يكون كل شيء إلا نفسه: أن يكون عربياً قبل أن يكون علوياً، مسلماً قبل أن يكون نصيرياً، بعثياً وشيوعيا وقوميا قبل أن يكون ابن ذاكرة وجبل وساحل وتاريخ.
لذلك يصبح مضحكاً أن يخرج علينا أحدهم اليوم ويقول: “هذه ليست ديانة العلويين”. حسناً، ليس كل ما يُنشر صحيحاً، وليس كل كتاب على الإنترنت وثيقة مقدسة، وليس كل نص منسوب إلينا بريئاً من التحريف أو الاستشراق أو التزوير. هذا صحيح. لكن تحويل كل شيء إلى “دبابيس أباليس” ليس بحثاً، بل هلع. وليس دفاعاً عن الهوية، بل استمرار للإنكار.
أنثروبولوجياً، الدين ليس فقط ما تعترف به الأزهر أو النجف أو الدولة. الدين هو نظام رموز، ذاكرة، طقس، قرابة، خوف، سرّ، مكان، لغة، ومخيال جماعي. والعلوية ليست مجرد “طائفة إسلامية” تنتظر ختم قبول من الآخرين؛ هي تجربة بشرية تاريخية تشكلت في الجبل والساحل، في العزلة والنجاة، في السرّ والخوف، في الاضطهاد والتمسك بالاختلاف.
الإنترنت لم يخترع العلوية. الإنترنت فقط كشف كذبة البعث الطويلة: أن جماعة كاملة يمكن أن تنجو عبر إنكار ذاتها إلى الأبد.
والذين يصرخون اليوم بأن كل شيء مؤامرة، ليسوا حماة الحقيقة. هم حراس القفص القديم. يريدون علوياً بلا ذاكرة، بلا اسم، بلا استقلال، بلا جرأة، وبلا سؤال.
لكن انتهى زمن الببغاوات.
من يريد أن يناقش فليقرأ. ومن يريد أن يرد فليبحث. أما أن ندفن تاريخنا كلما خاف شيخ أو بعثي أو ضابط متقاعد من كلمة “نصيرية”، فهذه ليست تقوى. هذه بقايا دولة كانت تريدنا مادة خاما وشعاراً حزبياً، لا شعباً له حق أن يعرف نفسه.
الثقافة الإنتاجية.. من صناعة الوعي إلى صناعة المستقبل
هل حان موعد إغلاق ملف تبديل العملة؟.. رؤية لضمان انتقال آمن بين النقد القديم والجديد
التاجر والرقابة التموينية والمواطن.. ثلاثية لا تستقيم إلا بالأخلاق
خليل معتوق.. الحاضر الذي لا يغيب
العلوية وإشكالية الانتماء الديني
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه