فهد بلان هكذا عشتُ معه وهكذا حفظتُ ذكرياته
عماد بلان
بعد أن استكملتُ نشر ما يزيد على ثلاثين حلقة من سلسلة «مختارات من ذكريات مع فهد بلان» في صفحتنا هذه المحترمة، يسألني بعض الزملاء:
"..كيف استقيتَ هذه الذكريات من الراحل فهد بلان، وهو المعروف بكثرة أسفاره وعدم استقراره في مكان واحد..؟
..وللإجابة عن هذا السؤال، أود أن أوضح لحضراتكم أن ما نشرته لم يكن حكايات منقولة من بعيد، أو نسْخاً عن صحف و مقالات أو مؤلفات لآخرين، وإنما هي ذكريات تشكّلت بين الفهد و بيني أنا عبر العيش المشترك معه، والقرابة، والسفر، والموسيقا والحفلات الغنائية، والسهرات الخاصة.
..أما البدايات فقد كانت كما يلي:
..وُلدتُ في حي ركن الدين الدمشقي، في بيت متواضع مؤلف من ثلاث غرف، كانت إحداها غرفة للفهد وزوجته السيدة ناديا.
..ثم انتقلنا إلى منزل متواضع في منطقة المخيم جنوب دمشق، حيث احتل الفهد وزوجته الغرفة العلوية من البيت البسيط الذي جمعنا من جديد.
..وبعد ذلك انتقلنا إلى ضاحية دمر، لنلتقي مرة أخرى تحت سقف شقة واحدة واسعة، متعددة الغرف والشرفات.
..كنتُ يومها الطفل المدلل للفهد، وكيف لا..؟ وهو عمي الذي كان بالنسبة إليّ بمنزلة والدي؟
..ثم انتقلنا إلى السويداء، وهناك بدأت علاقتي الحقيقية بالموسيقا، عزفاً على العود، وتلحيناً، وشغفاً أخذ يكبر معي يوماً بعد يوم.
..وكان الفهد يأخذني معه إلى استوديو إذاعة دمشق، لأحضر بروفاته وتسجيلاته الغنائية، وألتقي عن قرب بالموسيقيين والملحنين الذين كانوا يحيطون به. ومن هناك بدأت تتراكم لديّ خبرات موسيقية وفنية أخذت تغني رصيدي الفني المتنامي.
..ثم بدأت أرافقه موسيقياً، عازفاً على العود، في حفلاته في السويداء ومختلف المدن السورية، ثم في بيروت والكويت والأردن، وصولاً إلى القاهرة وتونس.
..وفي تلك الرحلات الفنية، كنا غالباً ننزل في الفندق نفسه، في غرفتين متجاورتين.. ننتهي من الحفلة عند منتصف الليل، ثم نعود إلى الفندق، لنستأنف سهرتنا وحدنا في غرفته، فنظل نتحدث ونتسامر حتى ساعات الفجر.
..وهنا تحديداً كانت تبدأ الحكايات التي لم يسمعها كثيرون:
..كان الفهد، في تلك الساعات الهادئة البعيدة عن أضواء المسرح والجمهور، يبوح لي بالكثير مما في داخله، يحكي عن طفولته الشقية، وعن مشواره الطويل مع الحياة والفن والشهرة، وعن علاقاته بالفنانين والفنانات، وعن مواقف عاشها خلال مسيرته، وعن عشقه للسيارات الفارهة والفخمة، وعن أشياء أخرى كثيرة لا تُحصى..
..وفي إحدى المرات - و كنتُ برفقته في تونس- قلت له:
..عمي أبا طلال، أرغب في كتابة مذكراتك، على أن تراجعها أنت وتصححها، وتأذن لي بعد ذلك بنشرها.. فما قولك..؟
..صمت قليلاً.. ثم أجابني:
«يا عماد.. أنت اكتب ما شئت، كل ما سمعته مني وعرفته عني، ولكن لا تنشر ذلك إلا بعد أن أرحل عن هذه الحياة الدنيا.»
..كان يحدثني ونبرات الحزن تفيض من صوته..!
..قدّرتُ موقفه ومشاعره، وفهمتُ تماماً معنى تلك الكلمات، فوافقت على رغبته واحترمت وصيته..
..وهكذا، فإن ما نشرته لكم طوال هذه الحلقات لم يكن مجرد حكايات سمعتها من الآخرين، ولا قصصاً جمعتها من الكتب والمراجع، بل هو جزء من ذاكرة عشتُ تفاصيلها مع الفهد نفسه منذ طفولتي، وكبرتُ معها، ورافقته في مراحل مختلفة من حياته وفنه وأسفاره.
..ذلك هو باختصار سرّ تلك الذكريات..
..وذلك هو بعض ما في ذاكرتي من الفهد الذي كان عمي، وكان بالنسبة إليّ أكثر من عم، والوالد، والأخ الأكبر، والصديق الوفي الصادق..
أخيراً:
رحل فهد بلان عن الدنيا.. لكن، لكوني من الذين عاشوا قريباً جداً منه، بقيت في ذاكرتي تفاصيل حياته الكاملة.. والتي لم ترحل بعد..!