د. يوسف عايدابي.. أيقونة إنسانية وفكرية وفنية

أمينة عباس- فينكس

احتفت الأوساط الإعلامية والثقافية والمسرحية في الوطن العربي بتكريم المسرحي والباحث والمفكر السوداني الدكتور يوسف عايدابي في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (من 1 إلى 8 أيلول)، وجاء التكريم تقديراً لمسيرته الطويلة وإسهاماته البارزة في الحركة المسرحية والثقافية العربية، وهو الذي يشغل اليوم منصب المستشار الثقافي لحاكم الشارقة ومستشار الهيئة العربية للمسرح.

وقد وصفه أمين عام الهيئة أ. إسماعيل عبدالله في جلسة التكريم بأنه: "أيقونة إنسانية وفكرية وفنية عظيمة، نذر نفسه وفكره وجهده وعافيته لأبناء الإمارات منذ أن وطأت قدمه فيها في مطلع الثمانينيات"، ولا يبدو اختصار مسيرة عايدابي بالمهمة السهلة على الإطلاق، فهي مسيرة طويلة وغنية ومتشعبة، تنقل خلالها بين الشعر والمسرح والسينما والترجمة والعمل الأكاديمي والتخطيط الثقافي والمؤسساتي، في السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

علامة فارقة في المسرح

حصل عايدابي على شهادة الدكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح "دراسات مقارنة" من جامعة بوخارست في رومانيا عام 1979. وكانت مسرحيته "حصان البياحة" التي كتبها عام 1974 علامة فارقة في مسيرته، حيث جسّد فيها رؤيته لمسرح يعبر عن السودان بأكمله، مستحضراً شخصيات من التراث وموضوعات من الظرف السياسي القائم حينها، فأنجز مسرحية حديثة ذات بناء ملحمي وثائقي تسجيلي، مستفيداً من عدد من اتجاهات الكتابة المسرحية: "كان ذلك نوعاً من الانفتاح على أشكال المسرح المختلفة، فالإرث الإنساني العام مفتوح، وبإمكاننا الاستفادة منه".

ويُحسب لعايدابي أنه انطلق في السبعينيات ليؤسس في السودان مشروعه المسرحي "مسرح العموم للسودان" وهو مشروع يقوم على فكرة أن السودان بلد متعدد القوميات واللغات والثقافات، ويجب أن يكون المسرح مرآة تعكس هذا التنوع وتحتفي به مستفيداً من كل الظواهر الاحتفالية الشعبية التقليدية في السودان، ليعد هذا المشروع امتداداً تطبيقياً لرؤيته للهوية بالدعوة لمسرح التعددية، في إطار جامع للمواطنة، بحيث يقدم المسرح للناس لا للنخبة، دون حصره في القاعات المغلقة، إيماناً منه بأن المسرح أداة مجتمعية تعالج قضايا المواطن العادي في الشارع والسوق، ليكون مسرحًا "لعموم أهل السودان".

انطلاقًا من قناعته بأن المسرح أداة ووسيلة فعالة للمقاومة والكفاح ضد التفرقة والحروب، وأداة لتثبيت قيم التسامح والحوار، لا مجرد ترف جمالي، رافضاً في الوقت ذاته التبعية للشكل المسرحي الغربي، ساعياً إلى صياغة لغة مسرحية خاصة تنبع من التراث الشعبي والطقوس المحلية والعادات اليومية في السودان، وهو ما أكد عليه في رسالة المسرح العربي التي كتبها وألقاها عام 2015 على منبر مسرح محمد الخامس في افتتاح الدورة السابعة من "مهرجان المسرح العربي"، والتي لخص فيها رؤيته للمسرح الذي يريده للسودان والوطن العربي: "لا نريد مسرحاً للنخبة أو لفئة قليلة في بلداننا التي ترزح تحت نير الحروب والجوع والفقر والمرض، لا نريد للمسرح إلا أن يكون أداة اجتماعية ووسيلة للمقاومة والكفاح ضد التفرقة والاحتراب.. مسرح اليوم في بلداننا هو ذلك الحبل السري، فلا ينبغي أن يكون إلا عضوياً بسيطاً، متحللًا من الزوائد، منطلقاً من الناس ومن وحيهم، نريد المسرح بدراً في ليل الأوطان، ونوراً في دروبها، وصوتاً هادراً في ميادينها، ونفيراً في بواديها؛ بل وبوسع المسرح أن يكون وسيلة ماضية مستدامة لتنمية الإنسان الجديد والمجتمع العربي الجديد.. فما علينا كمسرحيين إلا أن نعيد النظر في فكرة المسرح ودوره ووظيفته المبتغاة، وأن نتأكد أننا لا نحاكي ونتبع الغرب سيراً في الركب المتعولم.. إن ظروفنا الراهنة إجمالاً مضطربة متقلبة، وأناسنا يتطلعون حقيقة إلى ثقافة بديلة مختلفة تهديهم السبيل إلى وجود مغاير، وحياة أكثر سلماً وعدالة. وعلى المسرح أن يكون في طليعة أدوات المستقبل".

المسرح مسؤولية

وكان عايدابي قد أكد في كلمة له أثناء التكريم أن المسرح مسؤولية قبل أن يكون مجرد ممارسة فنية، ولا ينبغي أن يبقى أسيراً للتنظير وحده، وأن لدى المبدعين فكراً وخيالاً قادرين على فتح آفاق مغايرة وصناعة رؤى جديدة تتجاوز المألوف. وأن سنوات تجربته في المسرح منحته الكثير من الخبرات التي جعلته يدرك أن المسرح لا يقتصر على امتلاك الموهبة وتقديمها للجمهور، وإنما يمثل مسؤولية حقيقية تجاه المجتمع.. المسرح لا بد أن يعبر عن قضايا الوطن العربي ولا يكتفي بالمحلية.. المسرح لن يموت أبداً، والمرحلة الحالية تتطلب من المسرحيين والقائمين على هذا الفن أن يعيدوا النظر في واقع المسرح، وأن يبحثوا عن سبل جديدة لتطويره وانتشاره".

المؤسس والمؤلف

ولأن تخصصه كان في المسرح، كان المنصب الأبرز في مسيرته الإدارية داخل السودان تسلمه عمادة المعهد العالي للموسيقى والمسرح في الخرطوم، الذي ساهم في تأسيسه. وقد تقلد هذا المنصب بعد مسيرة أكاديمية بدأت برئاسة قسم المسرح، ثم نائباً للعميد، وصولاً إلى العمادة، وسعى فيه إلى جعل المعهد مكاناً يزاوج بين المناهج الغربية والفنون التقليدية السودانية المتنوعة لتخريج جيل جديد من المسرحيين القادرين على التعبير عن واقعهم الثقافي الخاص. وقد خرّج هذا المعهد أجيالاً من الكتاب والنقاد والمسرحيين البارزين في الثقافة المسرحية التي رفدها عايدابي بعدد من المؤلفات المسرحية مثل: "المسرح الأفريقي بين الممارسة المحلية والقالب الأوروبي"، و"السيرة المسرحية: شهادات ووثائق عن الحياة المسرحية في النصف الثاني من القرن العشرين"، و"دليل المسرح السوداني - الجزء الأول"، و"المسرح المناهض للاستعمار في السودان منذ مطلع القرن العشرين"، و"المسرح في الإمارات: صورة الواقع وأسئلة المستقبل"، وكان أحدثها كتابه "الوافي في تاريخ المسرح في السودان" الصادر عن الهيئة العربية للمسرح عام 2025، الذي اعتبره النقاد من أوسع المراجع العربية التي تناولت تاريخ المسرح السوداني، بتقديمه صورة شاملة لمسيرة المسرح السوداني وتحولاته الفكرية والجمالية والاجتماعية.

ويبين الناقد المسرحي عصام أبو القاسم أن أهمية الكتاب تنبع من نجاحه في جمع شتات المعرفة المسرحية السودانية التي ظلت موزعة بين كتب ودراسات ومقالات وأرشيفات صحفية متفرقة، وتحويلها إلى مرجع موحد يتيح للباحثين والدارسين الاطلاع على تاريخ المسرح السوداني ضمن إطار علمي متكامل، ولذلك يمثل الكتاب اليوم المرجع الأكثر شمولاً للمسرح السوداني، والذي يصون ذاكرته من التشتت والغياب.

شاعر الغابة والصحراء

أغر الشعر عايدابي باكراً، فكان شاعراً مشغولاً بالحداثة والتجديد، متمرداً على كل الأشكال الشعرية القديمة، مفتوناً بما كان يقدمه الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، والسياب والبياتي في مطالع الستينيات. وبتأثير هؤلاء استطاع في هذه الفترة مع عدد من الشعراء في السودان تأسيس تيار ثقافي حمل عنوان "الغابة والصحراء"، وكان هدفه تقديم قصيدة حداثوية على صعيد البنية، متأثرين بروادها العرب، مستلهمين مضمونها من التراث السوداني الذي يقوم على التعددية والتنوع، حيث سعى هذا التيار إلى تجاوز الإطار الأحادي للهوية السودانية، معتبراً أنها مزيج من المكونين العربي (الصحراء) والإفريقي (الغابة).

صمام أمان الهيئة العربية للمسرح

غادر عايدابي السودان في الثمانينيات للظروف السائدة فيها حينها، قاصدًا مصر ثم الإمارات، وفيها تعرف على الماغوط الذي شاركه في الإشراف على الملحق الثقافي لجريدة "الخليج"، ومن خلاله اكتشف أجيالاً من الأدباء والشعراء والروائيين، ليساهم بعد ذلك في بناء مشاريع ومؤسسات ثقافية كبرى مثل معرض الشارقة الدولي للكتاب، وأيام الشارقة المسرحية، ومسرح الشارقة الوطني، وبينالي الشارقة.

وقد منح "مفتاح مدينة الشارقة" تقديراً لإسهاماته، وكان له دور كبير في الهيئة العربية للمسرح، حيث شارك منذ السنوات الأولى لتأسيسها في بلورة رؤيتها المسرحية، وصياغة برامجها ومشاريعها سواء في مجالات النشر أو التدريب أو البحث أو التوثيق أو المهرجانات، وهذا ما جعل مدير الهيئة إسماعيل عبدالله يؤكد في جلسة تكريمه أنه كان وما زال صمام أمانها.

د. يوسف عايدابي

وُلِدَ في السودان، وبدأت علاقته بالكتابة في المرحلة الثانوية، حيث نشر قصائده في الصحافة السودانية التي عمل فيها وهو ما يزال طالباً في الجامعة التي درس فيها الحقوق، التي تركها لدراسة السينما في رومانيا، وفيها أنجز عدة أفلام حاز بعضها على جوائز. كما اهتم بالترجمة منذ صغره، وقد ترجم الكثير من الأشعار العالمية إلى الإنجليزية والرومانية والعربية، ومن ضمن الأشياء التي يعتز بترجمتها قصائد الهايكو اليابانية، وهو يرى أن الترجمة هي مدخل لكثير من الثقافات، وهي واجب على المبدعين والمثقفين كي يتواصلوا من خلالها مع الثقافات الأخرى. عُرف بتحقيقه وإعداده منشورات تراثية وببليوغرافية وتوثيقية عديدة، فضلًا عن أشغاله الإدارية في البرامج والمسابقات واللجان الثقافية سواء في الخرطوم أو في الإمارات التي استقر بها منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي. أطلق مركز التنمية الإعلامية بالسودان مؤخرًا "جائزة باسمه في البحث المسرحي"، بهدف تشجيع الأجيال الجديدة على البحث والتوثيق في تاريخ المسرح السوداني.

حاز على العديد من الجوائز والتكريمات منها: جائزة الشرف في أيام قرطاج المسرحية (2024)، وجائزة التقدير والتكريم من مهرجان دمشق للفنون المسرحية (2010)، وجائزة رواد الثقافة والإعلام من مؤسسة تريم عمران للأعمال الثقافية والإنسانية في دولة الإمارات العربية المتحدة (2010)، ومفتاح مدينة الشارقة من حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي (2009).