مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (21 و22 و23)

عماد بلان

..المحطة الأخيرة في حياته.. بين دمشق و السويداء
=================================
..أمضى الفهد حوالي عشر سنوات في مصر، تعاون خلالها مع كبار الملحنين المصريين ومنهم:
..(فريد الأطرش- سيد مكاوي- بليغ حمدي- محمد الموحي- عبد العظيم عبد الحق- خالد الأمير- محمود الشريف- صلاح الشرنوبي) وغيرهم..
..لكن الحنين إلى وطنه سوريا لم يفارقه، فقرر ذات يوم من عام 1974م العودة إلى دمشق محملاً بالمئات من الأغاني والأعمال السينمائية التي أنجزها بين دمشق وبيروت والقاهرة.. وتلبية لدعوة كريمة من رئاسة الجمهورية العربية السورية، فقد حزم حقائبه وعاد إلى دمشق حيث بدأت من هنا المرحلة الرابعة والأخيرة من مسيرته الفنية الحافلة والغنية.. حتى رحيله عن دنيانا..
..في سوريا.. استقبله محبوه من جمهوره وأهله وأصدقائه بالترحاب بعد غياب طويل.. فكان التفاعل على أشده بين الفنان الكبير ومحبيه في كل مدينة و قرية على أرض سوريا الغالية.. عاد ليتعاون مع أصدقاء الأمس وزملاء المحطات الأولى من حياته الغنائية فكانت له أغنيات جديدة، شعبية ووطنية وقصائد وأهازيج لحنّها له من سوريا:
..عبد الفتاح سكر – محمد محسن- سهيل عرفة– شاكر بريخان- زهير عيساوي- سمير حلمي- حسام تحسين بك- نزار مورلي- نمر كركي.. وغيرهم..
..ومن لبنان:
..فليمون وهبي- ملحم بركات- جورج يزبك، وحسن غندور.
..ومن الأردن جميل العاص- روحي شاهين.
..ومن الكويت أحمد عبد الكريم.. وغيرهم..
..وفي السويداء، هذه المدينة التي لطالما عشقها وأحب أهلها وأحبوه.. كان استقراره الأخير.. حيث تابع الفهد مسيرته الفنية مع باقة جديدة من مجموعة أغان رائعة لاقت أفضل قبول وتعلق من قبل جماهير محبيه، و كانت من كلمات وألحان الشاعر والملحن الراحل /سعدو الذيب/ ونتذكر منها: يوم على يوم، غالي علينا يا جبل، سفرهم طال.. حنيت إلك.. وغيرها..
..واستقر الفهد في داره الكائنة شمالي الملعب البلدي في السويداء، بعد أن أعاد ترميمها وتجديدها لتضمه مع أفراد عائلتي وعائلته الرائعة: زوجته السيدة أم إيهاب -رحمها الله- وابنتيه: علياء - لروحها الرحمة - وهند، ونجله إيهاب – حفظهما الله.. جمعنا وإياهم ذلك المنزل العامر لسنتين وبعدها انتقلنا إلى شقة منفصلة وقريبة جداً من منزل الفهد وعائلته.
..وكانت لقاءاته في دمشق لا تنقطع مع نجله الأكبر طلال وشقيقته لينا - حفظهما الله- وهما الأخوين غير الشقيقين لإيهاب وعلياء وهند.
..ثم قرر الفهد التوجّه للأرض التي كان يعشق ترابها.. فابتاع مزرعة كبيرة غربي السويداء مغروسة بالزيتون والعنب ليمارس خلالها هوايته الزراعية، وبنى فيها فيلا صغيرة يلتقي فيها مع أهله وأصدقائه وخلانه الأوفياء..
..ولطالما جمعتنا سهرات فنية رائعة بحضوره و مجموعة من شعراء و مطربين أرافقهم مع عودي ولا زلت حتى اللحظة أتذكرها وأترحم على الراحلين منهم.
..نتذكره دوماً، كما يتذكره كل أهالي السويداء كيف اعتاد أن يتجول بقامته الشامخة وقلبه الطفولي الرقيق في أسواق المدينة وشوارعها بسيارته، أو سيراً على قدميه بين المارة والبائعين ولا يكاد ينقطع عن التحية ورد السلام على كل من يلتقيه بوجهه البشوش الصافي وصوته الجهوري العميق، وبكل تواضع ومحبة، وكثيراً ما كان يتوقف ويترجل من سيارته ليعانق أي صديق أو معجب في وسط الطريق..
..لطالما رافقته في مثل تلك الجولات.. كنت ألاحظه أحياناً وهو يمشي في السوق وطرف قميصه خارج بنطاله، بينما الطرف الآخر تحت الحزام فأهمس له صادقاً كواحد من أقرب مقربيه، وواحد من أبنائه:
"عمي أبو طلال.. الله يخليك.. أنت مش أي رجل عادي.. أنت فهد بلان.. طيب رتب قميصك قبل ما تشوفك الناس..! فكان ينفعل ويقول: عمي عماد.. أنا هيك..! أنا طبيعي في كل شيء ولا أحب الافتعال ولا التصنع.. فمن يحبني على طبيعتي هذه حياه الله..!
..ذاك هو فهد بلان.. لا في بلده السويداء فحسب، بل في كل مكان تواجد فيه.. باقٍ على طباعه عنواناً للتواضع والشفافية والصدق.. والرجولة..
****
 ..رحلة قصيرة مع "إيهاب فهد بلان"..
================================
..الشاب الفنان إيهاب فهد بلان..
..هو ابن عمي الفهد - رحمه الله - و هو بمكانة أخي الأصغر الذي حملته بين ذراعَي مُذ كان طفلاً رضيعاً..
..كبر وترعرع أمام عيني، وكنت أتابعه منذ طفولته، آنذاك لم أكن ألاحظ أن لديه أي ميول للموسيقا والغناء في البداية، حتى سمعته ذات يوم يعزف متدرباً على الأورغ وكان في العاشرة من عمره تقريباً.. صوته كان ذو نبرة عريضة غير طفولية حتى في أول سنوات عمره، وهذه بالوراثة بالتأكيد عن أبيه الفهد الراحل.
..وربما لا يعرف الكثيرون أن السيدة أم إيهاب - والدته الكريمة رحمها الله- كانت ذات صوت عذب وأداء سليم وخاصة مع أغنيات صعبة لأم كلثوم تحديداً..
..وهكذا باتت الوراثة من أبيه وأمه -رحمهما الله-.
..ولا ننسى أيضاً أن طلال - أخوه الأكبر غير الشقيق - يمتلك صوتاً مكتملاً ولكنه اتبع الغناء الغربي.
..وكذلك شقيقته الراحلة علياء - رحمها الله - كانت تغني بإحساسها الرقيق الطروب كشقيقتها الصغرى هند تماماً.
..وهذه الدائرة الفنية في أسرة إيهاب ساهمت في نشأة موهبته الفنية ونموها. وباتت موهبته الصاعدة تتنامى تدريجياً من خلال مشاركاته الغنائية في حفلات جماهيرية عامة على مسارح سورية وغيرها من البلدان العربية، وكذلك لقاءات فنية في برامج تلفزيونية.
..ندرك جميعاً بأن شخصية الراحل الكبير فهد بلان الفنية عامة.. لا.. ولن تتكرر مهما حاول مقلدوه أن يتقمصوا شخصيته الغنائية النادرة جداً، ولذلك يدرك إيهاب تلك الحقيقة ويحاول ويسعى كي يبتعد عن دائرة والده الفهد المعجزة بأن يشق طريقه الفني بما يمكنه من تأسيس لون غنائي جديد خاص به ولابأس بأن يوازي لون والده الفهد ولكن بخصوصية يتجنب بها اتهامه بتقليد أبيه.
..ونتمنى المزيد من النجاح والتقدم للحببب إيهاب.
****
..ودقّت ساعة الرحيل إلى رحمة الله تعالى..
..وداعاً أيها الفهد الحبيب.. وداعاً أبا طلال..
===========================
..كان الوقت قبل ظهيرة يوم الإثـنـين 22/12/1997..
..قاد الفهد سيارته يجوب أرجاء المدينة الغالية على قلبه.. تجوَّل في أغلب أحيائها وشوارعها وأزقتها على غير عادته، بدا وكأنه يودع أعزَّ الناس وأغلى بلد على قلبه، وهل هناك أغلى من الجبل العالي الأشم وأهله؟
..الجبل الذي على ترابه الطاهر وُلِد، وبين حقوله وسهوله ووديانه ترعرع، ومن خيـره عاش، ومن طباع أهله الأكارم اكتسب الرجولة والشموخ وعزة النفس والعطاء والتواضع.
..بعد جولتِه تلك، وعند الظهيرة، عكف الرجل ليتناول غداءه في بيت عمـه أهل زوجته، ثم قرر أن يتوجه إلى منزل شقيقي الأكبر "عصام" غربي السويداء حيث كان يشعر بالراحة دوماً هناك.. وقـبيـل وصوله بقليل، وعند تقاطع "نزلة الأعوج" على طريق الشام الغربي مع الكورنيش، شعر فجأة بنوبة ألم حاد في رأسه، توقف على أثرها عند يمين الطريق، إلى أن انتبـه إليه شابـّان كانا جالسـَين على شرفة منزلهما القريب، ولفت نظرهما أكثر عندما أخذ يضرب رأسه بمِقوَد سيارته بقوة وبطريقة مستغربة.
..قفز الشابـان عن الشرفة المطلة على الطريق العام، وتوجـَّها بسرعة نحو سيارته، لكنه كان قد غاب عن الوعي، نقلاه إلى منزله واستدعيا صديقه الفنان داود رضوان - رحمه الله - الذي سارع بـنقـلـه إلى المشفى العام لتـتـلقـفه أياد رحيمة وتقوم بالإسعافات الأولية، وإجراء التحاليل اللازمة لتشخيص حالته المفاجئة، خلالها كانت الاتصالات السريعة تجري من إدارة المشفى إلى محافظ السويداء.. ومنه إلى وزير الصحة.. ومنه إلى القصر الجمهوري، لعلم الجميع بمكانة ذلك الرجل في قلوب أهل سوريا وقائدها الخالد حافظ الأسد، الذي ما إن علم بالنبأ حتى أمر بإعداد طائرة خاصة لنقله – إذا سمحت حالته – إلى أي بلد عربي أو أجنبي لمعالجته حيث يمكن، وإذ كانت حالة الرجل الصحية لا تسمح بنقله حتى من على سريره، فقد كانت التعليمات الرئاسية قد نُفِّذت بتجهيز طاقم طبي متخصص من كبارالأطباء والتوجه فوراً بسيارتين مجهزتين بأحدث الأجهزة الطبية ذات التقنية العالية برئاسة وزير الصحة إلى السويداء للإشراف على الوضع الصحي للرجل الراقد على سريره ينتظر آخر لحظات من عمره الذي بذل منه أكثر من أربعين عاماً من العطاء الصادق لخدمة وطنه العربي، وبلده سوريا الكبرى.
..عند الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم نفسه، أدخِل الفهد إلى غرفة العناية المشددة وهو بحالة سبات عميق، بعد أن توصل الأطباء إلى أنه مصاب بنزيف دماغي واسع وعميق.. وحاد. وكان الفريق الطبي يتابع تطورات إصابته لحظة بلحظة وعلى مدار الساعة، فجأة توقف الدماغ عن أداء وظائفه، ومع ذلك لم يـيأس الفريق الطبي الذي قام مشكوراً بمحاولة أخيرة عن طريق جهاز التنفس الاصطناعي الذي فقد جدواه هو الآخر، ليتوقف القلب الكـبيـر.. قلب فهد بلان الذي أحب كل الناس.. واتسَع لكل الناس قاطبة..
..وكانت إرادة المولى عز وجل أن حدثت وفاته في الساعة السادسة والدقيقة الخامسة والأربعين من صباح الأربعاء 24 / 12 1997، عندها غاب الرجل.. ورحل إلى جوار ربِّه، بينما الملايين من محبيه تسأل الله تعالى الرحمة والمغفرة لروح فقيدها الفنان الكبير: فهد بلان.
..لروحه السلام والرحمة..
..في حينها، نَعَت وزارة الإعلام ونقابة الفنانين عبر وسائلها الإعلامية ومن خلال قنواتها الفضائية والأرضية والإذاعية وتبعتها الكثير من المحطات في دول عربية عديدة تـنعـى وفاة الفنان العربي الكبير فهد بلان عن عمـر ناهـز الرابعة والسـتيـن.
..وعلى أثرها بدأت الجموع بالآلاف من محبيه، وفود رسمية وفـنية وشعبيـة وإعلامية، تتوافد إلى مدينة السويداء لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمانه الطاهر، وللتحضير للحفل التأبيني الذي سيقام برعاية كريمة من قائد الوطن آنذاك.
..وفي يوم السادس والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1997، وعند الساعة الواحدة ظهراً، سُجّي جثمان الراحل الكبير في صالة مقام عين الزمان في السويداء لساعات قليلة، وهناك تقاطرت الجموع من أهالي السويداء لوداع الفقيد، وكم سمعنا نحيب العشرات من رجال مسنين و سيدات عجائز تتوالى أصواتهنّ:
..الله يرحمك يا فهد، يا عمّال الحسنات المخفية..
..رحمة الله لروحك يا بو طلال يا صاحب الأيادي البيضا..
..مثواك جنة النعيم يا سيد الرجال يللي فضّلت علينا وعلّمت أولادنا بالجامعات على حسابك..
..ربنا يحسن اليك يا غالي يللي كنت تتفقد بيوت الفقرا وتتحسن عليهم من خيرك..!
..دعوات صادقة.. بدأت وما انتهت حتى تم نقل الجثمان الطاهر إلى قاعة السابع من نيسان، حيث تقدم النعش إكليل كبير من الزهور باسم الرئيس حافظ الأسد. تبعتـه أكاليل أخرى من جهات رسمية وشعبية وفنية متعددة، وبالنيابة عن رئاسة الجمهورية العربية السورية ألقيـَت كلمة تأبينية جاء فيها:
..(..نودع اليوم فناناً عملاقاً من عمالقة الفن العربي، إنه الفنان الكبير المحبوب فهد بلان، الذي وُلِد ونشأ وسط أسرة فقيرة كادحة، لم يمتلك في بداياته إلا صوته الجميل، وبذلك الصوت شق طريقه في زمن لم يصمد فيه إلا المُبدعون والعظماء من الفنانين، وانطلقت شهرته إلى كل أرجاء الوطن العربي الكبير، وصدح صوته الرجولي القوي في كل مكان.. غنَّى للجماهير فأطرب.. أنشد للمقاتلين فشجع وحمَّس، وانساب صوته عبر الجبال والسهول وخنادق المناضلين.. لقد كان – رحمه الله – فناناً إنساناً، شفافاً متواضعاً، أحب الناس وأحبوه، أحبَّ الوطن وقدَّس ترابه، طاف أنحاء المعمورة إلا أنه ما عرف حلو الحياة إلا في بلده سوريا، وفي مدينته السويداء، استقر يجمع بين العمل الفني والعمل الزراعي في مزرعته يقـَـلــِّب تربتها، ويجني الخير من باطنها، وبها ومنها يصدَح ويتـَـغــَـنــَّى..).
..ومن كلمة لنقابة الفنانين في سورية ألقاها بالنيابة الفنان الكبير الراحل "صباح فخري - رحمه الله"، أجتزئ لكم هذه العبارات الختامية:
رَحَلتَ يا فهد بلان وها هي نوارس البحار تتأهب للسفر..
..وأسراب الحمام والقبرات وأغصان الشجر..
..في ذمة الله أبا طلال وأنتَ تركب الموتَ سفر..
..فيسكتُ صوت حفيف السنابل..
..ويخبو في أعين العشاق بريق السحر..
..وسحابات دَرَجنَ في سمائهنَّ..
..يذرفنَ دموعاً من مطر..
..مطرب الرجولة غلبكَ اليوم.. غلبكَ قرار القدر..
..وأنتَ الصلب العنيد كرمح.. لا ينثني.. وسيف لا ينكسر..
..فواحسرتي عليك زَين الشباب.. وأواه لو أننا استطعنا..
..أن نلوي عنكَ يدَ القدر..
..لكنها مشيئة الباري في خلقه من بني البَشَر..
..أخيراً: أبـا طلال وداعاً.. يا أنبلَ الرجال وداعاً،،
..إنــا للــه وإنـا إليــه راجعــون..)..
..أعزائي الكرام و الكريمات..
..وأنا أكتب هذه الحلقة، كانت دموعي تفيض حزناً وألماً وأنا أسترجع مع كل كلمة وكل عبارة وأتذكر الفهد الحبيب بمواقفه.. بصوته.. بحضوره.. بعطاءاته.. بإنسانيّته ورجولته.. بكل ما فيه من معاني الصدق والحب والكرم والأصالة.. فقد كان لي الأب الروحي، الأخ الأكبر، الصديق الصادق، والرفيق الوفي.. ولا يواسي حزني سوى طيب دعواتكم الصادقة لرب العالمين الرحمة والمغفرة لروح فقيد الجميع وأن يسكنه جنات النعيم، والله السميع المجيب.
إخوتي وأخواتي:
..بقيت في ذاكرتي قصتان مؤثرتان حدثتا بينما كان جثمانه الطاهر يوارى الثرى.. أرويهما في الحلقة القادمة.