مختارات من ذكريات.. مع فـهــد بــلان.. ح (18 و19 و20)
عماد بلان
..نيَّال يللي إلو بهالجبل مرقد عنزة..!
================================
..ترجَّلنا من السيارة، وقبل أن نصل بوابة البيت بأمتار، كانت رائحة "المجَدًَرة" قد وصلتنا لتوقظ بداخلنا إحساساً بجوع كان غافياً طوال رحلة دامت لساعتين من دمشق للسويداء خلال يوم صيفي شديد الحرارة..
..قبل أن ندخل البيت.. استوقفني الفهد وقال لي:
"..شو رأيك ناخذ المجدرة والسلطة مع قزازة الويسكي لنتغدا برَّا بأرض ربنا الواسعة..؟ وافقته بلا تردد..
..نادى والدتي بصوته الجهوري، الذي لا.. ولن يفارق خيالي:
"..أم عصام.. الله يخليكِ جهزي لنا الغدا.. بدنا نروح ناكل برا أنا و"ابو حديد" هكذا كان يلقبني دلالاً ومحبةً..
..قاد سيارته وانطلق بنا نحو ساحة تشرين ومنها شرقاً إلى طريق الجبل.. ثم انحرف يساراً نحو سد الروم.. وهناك على قمة ذلك التل المطل ليس على سد الروم فقط.. بل على مساحات واسعة من أحياء محافظتنا الرائعة.. السويداء..
..كان النسيم النقي اللطيف العليل يبعث فينا شعوراً غامراً بالانتعاش والراحة و الطمأنينة.. حتى فوجئت بالفهد ينتفض و يقول: يووه.. ولك يا عماد.. الأخبار.. افتح الراديو على الأخبار..! واقترب يستمع بتركيز:
.."سيداتي سادتي.. اليكم نشرة أخبار الظهيرة:
- زلزال يضرب شمال الصين ويقتل المئات..!
- فيضانات في بنغلاديش تجرف وتغرق الآلاف..!
- ارتفاع حاد للحرارة في أفريقيا يودي بحياة ثلاثة آلاف..!
- انقلاب عسكري في زمبابوي ومقتل وإصابة المئات..!
- بركان في الهند يشرد آلاف السكان..!
-مدن باكستانية تشهد حالات انفلات أمني و يسود فيها الخطف و السرقة..!
..أقفل الفهد الراديو بانفعال وضيق.. ضرب كفاً بكف وزفر كل ما في رئتيه من هواء دفعة واحدة.. وقال:
..أوووووف..! يا إلهي.. شو هذا يا رجل..؟ وين الواحد بيروح حتى يعيش بأمن وأمان..؟! وتابع يقول:
..بتعرف يا عماد.. انا لفِّيت الكرة الأرضية كلها.. ودرت كل بلاد العالم.. وصدقني.. أهدأ من بلدنا هذي السويدا وأطيب من أهلها عيني ما شافت ولا رأت.. إيييه.. وصحيح مثل ما كانوا يقولوا:
..نيال يللي إلو بهالجبل مرقد عنزة..!
..واليوم، و بعد مرور ثلاثين سنة على رحيله، أخاطب روح الفهد الراحل وأقول:
..أيها الفهد الحبيب الرائع الطيب.. لروحك السلام والرحمة.. لكن:
..لو شاء ربك الباري القادر.. وبُعثَت روحك الطاهرة اليوم مجدداً في هذا البلد الذي لطالما عشقتَ ترابه وأحببتَ أهله الكرام..
..فما عساك أن تقول..؟!
*****
. الفهد رجلٌ في مواقفه.. طفلٌ في طيبته..
=================================
..عندما يتجسد التواضع الحقيقي غير المزيف في شخصية إنسان كبير بشهرته وسمعته وفنه الذي ملأ أركان بلادنا العربية.. فتلك قمة الفضائل التي منًَ بها الله على القليل من عباده..
..عشت جُلَّ حياتي معه، فكان لي الصديق الأصدق، والأخ الأكبر، فضلاً عن كونه عمي شقيق والدي - رحمهما الله -.
..مواقفه الإنسانية تجاهي أنا بالذات، لا تُعدُّ ولا تُحصى، ولا يمكن ان أنساها ما حُييت، وإليكم أحد مواقفه معي.
.. فمن شاء.. فليتفضل بمتابعتي مع هذه الحكاية المتواضعة أيضاً:
..في منتصف السبعينيات، وكنت في بدايات تعلقي الشغوف بالموسيقا.. أتدرب العزف على العود، وأحاول تنمية قدراتي على قراءة النوتة الموسيقية وكتابتها بإيقاعاتها ومقاماتها.. أنتهز كل فرصة تساهم في زيادة رصيدي من المعلومات الموسيقية نظرياً وعملياً..
..لذلك كنت أحرص وبشدة بين الفترة والأخرى على مرافقة والدي وعمي فهد - رحمهما الله - إلى إذاعة دمشق حيث هناك ألتقي بملحنين وشعراء وعازفين لأنهل من خبراتهم ومواهبهم، وأدخل الاستوديوهات لحضور البروفات الموسيقية وتسجيلاتهم لساعات طويلة بلا كلل ولا ملل.. يتملكني شعور غامر لا يوصف بالفرح والسعادة ..وكل ذلك لأستزيد من العلم والمعرفة والتجربة في تلك المجالات.
..والذي حدث أنني ذات يوم - في السويداء - دخلت البيت قبل الظهيرة، وسألت والدتي: شو وينهم؟ وين الرَبع..؟ أجابتني: بيًَك، وعمك فهد، وخيك عصام، نزلوا الصبح عالشام منشان يسجلوا أغنية جديدة لعمك فهد اليوم..!
..ومن هول الصدمة، صرخت بعالي صوتي:
"شووو.. شو قلتي.. نزلوا عالشام.. وليسجلوا كمان..؟!
..طار عقلي مع الخبر.. واسودت الدنيا في وجهي.. ومثل الطير الطاير عالكراجات، وفي أول ميكروباص إلى دمشق فوراً.. ومن كراج "باب مصلى" بالتاكسي وبسرعة لساحة الأمويين.. للإذاعة.. إلى دائرة الموسيقا.. وأخيراً وصلت الاستوديو..
..صادفت هناك مهندس الصوت وهو على وشك أن يغادر غرفة كونترول الاستوديو، سألته بلهفة:
"مرحبا أستاذ بسام.. لو سمحت وين عمي فهد"..؟
..رد قائلاً: عمك فهد خلّص تسجيل أغنيته، وطلع هو وأبوك وأخوك عالسويدا، ومن نصف ساعة تسهلوا..!
..آآخخخخ.. ضربت رأسي بقبضة يدي.. وكتمت القهر الذي ملأ صدري.. حتى ما أن صرت خارج مبنى الإذاعة حتى فقعتها "بكوة" مثل الطفل الصغير..!
..عدت للسويداء من رحلة ابن بطوطة "بخفي حنين" كما يقال.. وبقلب يفيض بالقهر.. والغضب..!
..المهم.. وصلت البيت، فكان "الرَبع" نياماً في سابع غفوة.. حدثت والدتي عن رحلتي مع القهر والعذاب والبكاء.. ثم غطست بدوري في غفوة طويلة.. ما صحوت منها إلّا على صوته الحنون والجهوري بالوقت نفسه يربت على كتفي ويقول لي:
.."أبو حديد - هكذا كان يناديني - عرفت انك زعلان.. ولا يهمك.. والله وعد مني لآخذك معي بعد يومين عالشام مخصوص لأعيد تسجيل الأغنية نفسها..
..سألته مستغرباً: عمي، ليش بدك تعيد التسجيل..؟
..أجابني: التسجيل فيه شغلة بسيطة ما عجبتني.. وبدي غيّرها..!
..مضى اليومان، وخلال طريقنا لدمشق كان الفهد يدندن جملة موسيقية بطريقتين مختلفتين ثم يسألني: شو رأيك.. أي نغمة أجمل..؟ فاخترت الأولى.. قال لي: وأنا من رأيك.. خلص نعتمدها..!
..أعزائي..
..في حقيقة الأمر.. ما كان الفهد العظيم بصدد أي تغيير في الأغنية.. لكنه اختلق فكرة التعديل في اللحن كي "يجبر خاطري المكسور" ويمنحني ثقة عالية بنفسي.. لاأكثر..!
..انتهينا من تعديل الجملة اللحنية وفق اختياري أنا وغادرنا الاستوديو وهو يبتسم لي ويقول:
"عملنا هيك كرمالك أبو حديد.. مبسوط هيك..؟"..
..هكذا كان الفهد.. كما عرفته، وكما عرفناه جميعاً، أهله و أبناؤه ومعارفه وجماهيره العريضة في كل مكان، عرفناه رجلاً.. لا.. ولن يتكرر في تواضعه.. وبساطته.. وعطائه وإنسانيته.
*****
..في الرد على بعض استفساراتك ..
=================================
.. استفسارات عديدة و مختلفة وردتني أغلبها على الخاص، أحاول فيما يلي الرد عليها:
1- أعماله الغنائية:
..من الصعب حصر عدد أغانيه بدقة تامة، ولكن ما سمعته من الفهد شخصياً قبل رحيله بسنة تقريباً وقد استند فيها إلى إحصائيات رسمية اصدرتها إذاعة دمشق، حبث جاء فيها أن عدد أغانيه قد بلغ ما لا يقل عن 750 أغنية، موزعة بين التراثي الجبلي والبدوي والشعبي والوطني والقصائد. قدمها على مدى 40 سنة من عطائه الفني.
2- حياته الزوجية:
..نظراً لتعدد زيجاته فقد ظلمه البعض بلقب "مزواج" ظلماً وتعسفاً، فقصص زواجه المتكرر لم تكن بدوافع مزاجية لرجل لا يرى وزناً لزوجته أبداً، ولكن حياة فنان مثل فهد بلان رافقتها الشهرة والأضواء والسفر والتنقل وعدم الاستقرار، كل ذلك كان سبباً فاعلاً لعدم استمرار حياة أي زوجين، ولكم في الكثير من الفنانين والفنانات خير مثال ودليل بلا ذكر أسماء منهم.
وإليكم عدد زيجاته حسب التسلسل:
١- 1957 - السيدة /نادية/ حفظها الله -
٢- 1961 - السيدة /وفاء/ رحمها الله- أم طلال ولينا حفظهما الله.
٣- 1966- السيدة /ناتاشا/ لروحها الرحمة - أم ريتا - رحمها الله -.
٤- 1967- السبدة /مريم فخر الدين/ رحمها الله.
٥- 1969- السبدة /سامية أبو الحسن/.
٦- 1974- السيدة /أمال عفيش/.
٧- 1976- السيدة /اسعاف حمزة/ رحمها الله - أم إيهاب و هند حفظهما الله.. وعلياء رحمها الله.
3- في السينما:
..لعب دور البطولة في تسعة أفلام:
١- / يا سلام ع الحب / مع نجاح سلام.
٢- / أفراح الشباب / مع صباح.
٣- / حبيبة الكل / مع صباح.
٤- / البنك / مع صباح.
٥- / عقد اللولو / مع صباح.
٦- / لهيب الجسد / مع سمورة.
٧- / القاهرون / مع سميرة توفيق.
٨- / فرسان الغرام / مع مريم فخر الدين.
٩ - / أين حبي / مع مريم فخر الدين.
..وكان ضيف شرف في فيلم /انت عمري/.
4- في التلفزيون:
لعب دور البطولة في مسلسل لبناني/أنا أنت/ ومعه أمال عفيش - 30 حلقة.
5- في الإذاعة:
..شارك من خلال 95 أغنية قصيرة هادفة في مسلسل إذاعي /موال من بلدي/.
6- السيارات التي اقتناها:
..منذ فتوته البائسة مادياً كان حلمه قيادة سيارة على الأقل، وقد تحققت أحلامه بجهده المرير وركب من السيارات الفخمة الفارهة ما تجاوزت أحلامه:
..كانت سيارة (بورجوارد) أول ما اقتناها رغم أنها كانت قديمة و"كحيانة"! ثم ومع انطلاقته في بيروت، فقد تعددت وتنوعت سياراته وكلها من أفخم السيارات الأمريكية، حتى اقتنى سيارة العصر "رولس رويس" بريطانية الصنع عام 1966م. وكان صداها كمن يمتلك طائرة خاصة هذه الأيام.
..إلى ان اختتمها بسيارته "مرسيدس" والتي ما زالت باقية لليوم بعد رحيله.