مختارات من ذكريات مع فـهــد بــلان.. ح (5): الفهد والاختبار الأول في إذاعة دمشق

عماد بلان

..ما طابت الأيام للفهد كما رغب في الأردن، لكنه كان متردداً بين العودة إلى سوريا من جديد للبحث عن فرصة عمل، أو البقاء إلى جانب أمه وشقيقه اللذين كانا بحاجة لوقفته إلى جانبهما مادياً لو حظي بعمل ما، ومعنوياً بسبب تعلقه الشديد بأمه..! لكن في النهاية، ضاقت به الظروف، فحسم أمره واتخذ قراره بالعودة إلى سوريا.. وكان لوداع الأم والشقيق والأصدقاء الأثر الحزين في نفسه، ولكنه القدر أحياناً عندما يصدر حكمه القاسي بلا رحمة.
..وصل الفهد إلى سوريا، ولحسن حظه، فقد نما إلى علمه أن برنامجاً لاستقبال الهواة يجري التحضير له في إذاعة دمشق، يستضيف هواة الغناء والعزف والتمثيل وغيرها من فنون أخرى. شحذ همته وباشر استعداده مترقباً تلك اللحظة التي سيطرق فيها القدر بابه ويقوده من يده نحو تحقيق أحلامه التي طال انتظارها.
..تقدم بطلبه إلى إدارة البرنامج، وعلى أحر من الجمر انتظر لأسابيع قليلة، حسبها دهراً، ينتظر اتصالاً من لجنة الاختبار تدعوه للمثول أمامها واستعراض ما في جعبته من مواهب. حالة من القلق والحيرة كانت تهاجمه ليل نهار.. فيتساءل:
..ماذا سيغني..؟.. لمن سيغني..؟ كيف سيواجه اللجنة الفاحصة..؟ والأدهى من كل ذلك: ماذا سيلبس أمامهم.. قميصاً وبنطالاً.. وهذا كل ما يملك من ملابس؟ أم يرتدي بدلة..؟ ومن أين له شراء بدلة لائقة بالمناسبة؟!
..أسئلة لم يكن سهلاً أن يجيب عليها..!
..وأخيراً حان الموعد، وآن أوان اللحظة الحاسمة على صوت مذيع البرنامج:
.."والآن سيداتي سادتي مع المتسابق الشاب فهد بلان وأغنية: تطلع يا قمر بالليل.."!.. وما أن استهلت الفرقة الموسيقية مقدمة الأغنية حتى أطل الفهد بقامته الطويلة وجسده النحيل، يرتدي بدلة رمادية اللون على قميص أبيض معقود بربطة سوداء.. استعارهم من أحد أصدقائه وحتى الحذاء كذلك، ما عدا ملابسه الداخلية!
..دخل في المقطع الأول للأغنية بصوت مرتجف خائف لأنه حاول تقليد صاحب الأغنية في الصوت والأداء، وصاحب الأغنية هو: فريد الأطرش، ذو الصوت الرقيق الشفاف، بينما صوت الفهد من النوع الجهوري العريض، والمسألة هنا ليست في المقارنة والتقييم، ولكن للإشارة إلى عدم قدرة الفهد آنذاك على تطويع صوته لأداء أغنية لا تتزاوج إلا مع طبيعة أطرشية خاصة يحتكرها لنفسه صاحبها فقط هو: فريد الأطرش وليس سواه. وتلك الطبيعة مخالفة ومناقضة لصوت الفهد وطبيعته شكلاً ومضموناً.. لذلك كان قرار اللجنة:
"..يعطيك العافية يا فهد.. نحنا آسفين.. لدينا ملاحظاتنا التي اضطررنا معها إلى رفض مشاركتك الغنائية.. ونتمنى لك الحظ الأوفر في المستقبل"..!
..وكانت الصدمة المزلزلة..! خرج الفهد من الاستوديو يجر أذيال الخيبة.. لقد تبخر الأمل الأخير الذي كان متعلقاً بأهدابه، وها قد تقطعت به الحبال، تهاوت أحلامه وادلهمت الدنيا أمامه.. فمشى هائماً على وجهه في شوارع دمشق حتى وصل بيته، الغرفة الوحيدة التي كان قد استأجرها آنذاك بعشر ليرات شهرياً في منطقة "جنينة النوري" في أطراف دمشق.. فهل استسلم الفهد للقدر ولحكمه القاسي..؟!
.. تولدت في نفس الشاب شحنة خارقة من طموح غريب زاد من لهيبها ثقته في صوته وموهبته، وتشجيع الأصدقاء والأقارب له لمعاودة الكرَّة ثانية. لكن لم يكن مسموحاً لأي متسابق رفضته اللجنة أن يعود ثانية قبل فترة لا تقل عن السنة لو بقي البرنامج مستمراً بلا توقف. فسارع الفهد بعد عدة أشهر من تاريخ رفضه الأول وقدم طلباً جديداً سائلاً الله تعالى أن يحجب بصيرة القائمين على البرنامج فلا يتذكروه فيكون الرفض من نصيبه ثانية.. وابتسم الحظ له عندما اتصلوا به كمتسابق جديد.. فماذا حدث..؟
..كان الفهد قد حضر أغنية يقول مطلعها:
هين ضرب السيف يابا.. هين عليَّ
ولا شوفك قدَّام عيني.. زعلان عليَّ
..الكلمات جبلية أو بدوية، والإيقاع سريع حماسي، واللحن من الفولكلور المألوف والسهل، ولكن الأهم أن طبيعة الأهزوجة متناسبة تماماً مع صوت الفهد وشخصيته الإنسانية والغنائية.. لذلك انفرجت أساريره عندما وافقت اللجنة عليه ، بل وعرضت عليه أن ينضم موظفاً مردداً في جوقة كورس الإذاعة السورية براتب شهري لم يتجاوز الثمانين ليرة سورية في الشهر.
..خلال تلك الفترة كانت أمه قد عادت مع شقيقه غالب من الأردن، واستقرت أولاً في "جنينة النوري" ثم انتقلت مع ولديها إلى منطقة ركن الدين – كان اسمها حارة الأكراد – في دمشق، وكان شقيقه غالب قد تزوج، ولحق به الفهد بزواجه الأول من السيدة نادية.. حفظها الله..
..ومضت الأيام، التحق شقيقه غالب بوظيفة في ديوان المحاسبات في دمشق وكان قد رزق بطفله الأول هو شقيقي عصام – رحمه الله – ثم بالثاني – أقصد أنا – العبد لله كاتب هذه الحلقات – وانتقلت العائلتان، فهد و زوجته، وغالب مع زوجته وطفليه، والجميع تحت "قيادة" جدَّتي أم غالب إلى "مخيم اليرموك" جنوب دمشق.
..سارت بنا الحياة إلى منزل عربي متواضع يحتل ركناً من ساحة دار مسوَّرة تحيط بغرفتين ومطبخ وحمام في القسم الأرضي تقطنها عائلة غالب وجدَّتي، ودرج يؤدي إلى سطح البيت وفوقه غرفة واحدة منفردة "عليـِّـة" يسكنها الفهد و زوجته التي لم تنجب أطفالاً.
..ما زلت أتذكر الفهد – وكنت آنذاك بين الثالثة والرابعة من عمري – عندما كان يصحو على عجلة من أمره ليلتحق بوظيفته.. يحلق ذقنه ويغتسل بسرعة ليرتدي قميصه وبنطاله ويخرج بعد أن يودعنا جميعاً.. وأحياناً كنت أسمعه وهو يطلب من أمه ليرة سورية واحدة كانت كافية لأجرة الباص وشراء علبة سجائره..!
..خلال تلك الفترة، كان الفهد قد تعرف إلى رجل يكبره سناً بأكثر من عشرين سنة (س. غ. د)، وبات من أعز أصدقائه المقربين، أتذكر ذلك الرجل الذي اعتاد على زيارة الفهد عدة مرات أسبوعياً، كان ذلك الضيف يصل بعد التاسعة ليلاً، يوقف دراجته النارية الضخمة التي كان هديرها كهدير دبابة يمتزج بصوته الأجش العريض المتقطع وهو يصرخ من خارج البيت: فهد.. وينك يا زلمة.. انت هون..؟! فنسمع جدتي أم غالب تتمتم همساً: الله لا كان جابك يا غــُـجْ..!
..يخرج الفهد ويستقبله متأبطاً ذراع ضيفه اليسرى بينما العود يحمله صديقه بيده اليمنى، كان عازفاً مبتدئاً، وإنما يؤدي الأغاني الشعبية المعروفة آنذاك بطريقة الهاوي المبتدئ لا أكثر.. يتجه الصديقان إلى "العليـِّـة" بينما تنزل زوجة الفهد مستاءة من الضيف الثقيل لتكمل سهرتها معنا في ساحة الدار مع المتة والمكسرات..
..حكاية تلك الصداقة بين الرجلين، دامت لسنة تقريباً بعد انضمام صديق ثالث لهما (ف. ح).. حكاية تخللتها تطورات خطيرة تصاعدت تدريجياً إلى أن انتهت بمشهد درامي خطير و مثير لا يمكن أن يتخيله أو أن يصدقه أحد من الناس..سأوافيكم بتفاصيلها في حلقة قريبة إن شاءالله.
..وهنا أتوقف لأسدل الستار عن حكاية مضت.. وأُرفع ستاراً آخر عن حكاية جديدة نتابعها هنا برفقتكم الأنيسة قريباً.