بعد ختام الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء التتويج حافز لتطوير التجارب.. والمهرجانات الكبرى تعيش بما تتركه من أثر

أمينة عباس - فينكس

أُسدل مؤخرًا ستار الدورة "38" للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء والتي نظمتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك – الدار البيضاء-جامعة الحسن الثاني- بعد أن احتضنت أحد عشر عرضًا مسرحيًا من ست دول هي: إسبانيا وإيطاليا وأرمينيا ومصر وتونس والمغرب، وتحملت فيه مسؤولية قراءة هذا التنوع الجمالي والثقافي وفق معايير فنية دقيقة لجنة تحكيم ترأسها د. علي محمد هادي الربيعي عميد كلية الفنون الجميلة بجامعة الحلة في العراق، وعضوية الممثل المغربي هشام بهلول، والفنان المغربي الألماني إدريس الجاي، والناقد رشيد الإدريسي.. وجاءت نتائجهم كالتالي: جائزتا أفضل ممثلة ذهبتا إلى الإسبانية مونيكا هويوس جانينا والمصرية عايدة الكردي، فيما آلت جائزة أفضل ممثل إلى الإسباني أوليسيس مارتين. وفازت المسرحية الأرمينية "متاهة السناجب" بجائزة الإخراج، بينما نالت مسرحية "أصحاب الأرض" لجامعة بنها المصرية جائزة لجنة التحكيم، في حين تُوِّجت مسرحية "مدرسة الزوجات" لجامعة سابينزا الإيطالية بالجائزة الكبرى للدورة، مع تأكيد لجنة التحكيم أن معيار التتويج كان رهينًا بجودة التجربة الفنية وفرادتها.

 

ستة أيام من الإبداع والحوار

 

يبين د. أحمد طنيش – المدير الإعلامي للدورة – في حديثنا معه أن يوم الختام كان موعدًا لتقييم حصيلة ستة أيام من الإبداع والحوار واللقاء، ببرمجة نوعية في الشكل، بعد أن شاركت فيها عروض مسرحية، وورشات تكوينية مفتوحة في وجه المهرجانيين والعموم، وندوة علمية في محور "المسرح والحياة المشتركة" وقد شارك في محاورها أهم الباحثين المتخصصين لتأكيد نجاح تجربة ثقافية رسخت مكانة هذا المهرجان باعتباره أحد أعرق المواعيد الدولية التي تحتضنها الجامعة المغربية وأحد أبرز فضاءات الدبلوماسية الثقافية الموازية التي يبنيها المغرب من خلال الفن والمعرفة ولقاء الشباب، مع إشارة طنيش إلى أن لجنة التحكيم بتنوعها قدمت نموذجًا لتكامل الخبرة الأكاديمية مع الممارسة المسرحية الميدانية والرؤية النقدية:"أهم ما ميز تقريرها أنه لم يتعامل مع الجوائز باعتبارها نهاية المنافسة، بل أكد أن جميع الفرق المشاركة خرجت فائزة بما قدمته من اجتهاد وإبداع، وأن التتويج ليس سوى حافز لتطوير التجارب، وهي رسالة تنسجم مع فلسفة المسرح الجامعي التي تجعل من التكوين والتبادل الثقافي غايتها الأساسية".

 

القوة الناعمة

 

وانطلاقًا من شعار الدورة "المسرح الجامعي فضاء تفاعل شباب المتوسط الأطلسي نحو دينامية ثقافية عابرة للحدود"، أثبت المسرح مرة أخرى – برأي طنيش – أنه إحدى أكثر اللغات قدرة على تجاوز الحدود الجغرافية وتكسير الحواجز اللغوية والثقافية وبناء جسور التفاهم بين الشعوب، حيث لم يكن الشعار برأيه مجرد عنوان نظري، بل تُرجم عمليًا إلى ما عاشه المهرجان من توهج وتحاور مع الشباب والإبداع من خلال الممارسة اليومية، التي تجسدت في لقاء طلبة وفنانين جامعيين حملوا تجاربهم وأسئلتهم ورؤاهم من دول مختلفة، وتقاسموا خشبة المسرح باعتبارها فضاءً للحوار الإنساني والتبادل الثقافي.. وتوقف طنيش عند كلمة أ. ليلى مزيان عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك ورئيسة المهرجان والتي ألقتها في يوم الختام حيث وجد فيها ما يمكن اعتباره خارطة طريق لمرحلة جديدة في تاريخ المهرجان، حين تجاوزت كلمتها حدود الشكر واستعراض المنجز، لتطرح سؤال المستقبل، وتؤكد على أن التحدي الحقيقي لم يعد تنظيم دورة ناجحة فحسب، بل حماية الإرث الذي راكمه المهرجان، وتعزيز مؤسساته، وضمان استمراره وانتقاله من جيل إلى آخر، مع ربطها بين هذه الرؤية والتحولات الكبرى التي يعيشها المغرب، وفي مقدمتها الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، معتبرة أن استقبال العالم لا يبدأ بالبنيات التحتية وحدها، بل أيضًا بالاستثمار في الثقافة، وتقديم صورة المغرب من خلال شبابه وجامعاته وتعدده الثقافي، وقدرته على الانفتاح على الآخر دون التفريط في هويته.. وفي هذا السياق ارتقت كلمة رئيسة المهرجان – حسب طنيش – إلى مستوى التفكير في الثقافة باعتبارها قوة ناعمة، وفي المسرح باعتباره إحدى أدوات الدبلوماسية الثقافية الموازية، القادرة على صناعة الصداقات، وتقريب الشعوب، وبناء الثقة عبر الفن والمعرفة والحوار.

 

مرجعًا في المسرح الجامعي العربي والدولي

 

ويذكر طنيش أن المهرجان مشروع ثقافي وُلد داخل الجامعة العمومية المغربية وكان دائمًا قادرًا على التجدد دون أن يفقد الروح التي صنعت مكانته منذ انطلاقته سنة 1988 على يد المؤسس أ. حسن الصميلي. وقد أكدت الدورة"38" منه أنه لم يعد مجرد تظاهرة فنية سنوية، بل تحول إلى مؤسسة ثقافية راكمت، عبر ثمانية وثلاثين عامًا، رأسمالًا رمزيًا جعلها مرجعًا في المسرح الجامعي العربي والدولي. وهي المؤسسة التي تعاقبت على صونها وتطويرها أجيال من العمداء والأساتذة والفنانين والطلبة، حتى أصبح المهرجان جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية المغربية، مؤكداً باحتضانه من قبل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك أن الجامعة العمومية المغربية ليست فضاءً للتكوين والبحث العلمي فحسب، بل أيضًا فضاء لإنتاج الثقافة، واحتضان الإبداع، وفتح آفاق الحوار بين الشباب، بما يعزز مكانة الجامعة كفاعل أساسي في التنمية الثقافية.

الإعلام شريكًا

 

لم ينس طنيش في نهاية حديثه توجيه الشكر لكل وسائل الإعلام الوطنية والدولية والمنصات الرقمية ومختلف محطات المهرجان التي واكبت فعالياته بتغطية يومية جعلت من المهرجان حدثًا حاضرًا داخل القاعات وخارجها، وقد أسهمت في نقل صورته ورسائله إلى جمهور واسع داخل المغرب وخارجه.. يقول طنيش: "لم يعد الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل أصبح شريكًا في صناعة ذاكرته، من خلال إنتاج مواد صحفية وتوثيقية ستظل مرجعًا لهذه الدورة، ومؤشرًا على اتساع إشعاعها الثقافي.. المهرجانات الكبرى لا تبدأ يوم الافتتاح، ولا تنتهي يوم الاختتام، بل تعيش بما تتركه من أثر، وبما تبنيه من جسور بين الشعوب، وبما تمنحه للأجيال الجديدة من إيمان بأن الثقافة تظل الطريق الأجمل إلى المستقبل، وأن المسرح سيبقى، كما كان دائمًا، لغةً عالمية للحوار والحرية والحياة المشتركة."