اربعون عاما على رحيل عاصي الرحباني
هاني عبد المنعم
تمر الاعوام وتغيب الوجوه التي صنعت التاريخ لكن بعض المبدعين لا يرحلون حقا لأنهم يتركون وراءهم عالما كاملا من الجمال يعيش في الذاكرة والوجدان ومن هؤلاء عاصي الرحباني الذي لم يكن مجرد ملحن كبير او كاتب مسرحي لامع بل كان صاحب مشروع ثقافي متكامل اسهم في صياغة الهوية الفنية للبنان وترك اثرا عميقا في الوجدان العربي كله.
كان عاصي الاب الروحي للتجربة الرحبانية الثرية والعقل المبدع الذي منحها ملامحها الخاصة وشخصيتها المتفردة وقد وجد في شقيقه منصور شريكا استثنائيا وفي صوت فيروز الوسيط المثالي لتجسيد رؤيته الفنية فانبثقت من هذا اللقاء واحدة من اعظم الظواهر الثقافية والفنية في تاريخ العرب الحديث.
ولد عاصي الرحباني عام 1923 في انطلياس بلبنان وفي بيئة بسيطة نما شغفه بالموسيقى والكلمة قبل ان يلتقي شقيقه منصور ليشكلا معا ثنائيا سيغير وجه الاغنية العربية والمسرح الغنائي في القرن العشرين.
لم يكن عاصي ينظر الى الفن باعتباره وسيلة للتسلية بل كان يراه وسيلة لبناء الانسان وتربية الذائقة وصياغة الحلم الجماعي ولذلك جاءت اعماله حاملة لرسائل انسانية عميقة دون ان تفقد بساطتها وقربها من الناس.
وحين ظهرت فيروز في بداية الخمسينيات وجد عاصي في ذلك الصوت النادر المساحة المثالية لتجسيد عالمه الموسيقي والشعري فكانت الشراكة التي صنعت اجمل الاغنيات والمسرحيات في تاريخ الفن العربي الحديث.
قاد عاصي مع منصور ثورة هادئة في الموسيقى العربية فلم يكتفيا بالموروث التقليدي بل اعادا قراءته وتطويره ومزجا بين روح الشرق وتقنيات الموسيقى الغربية الحديثة واستفادا من التوزيع الاوركسترالي وتعدد الاصوات ليصنعا هوية موسيقية جديدة اصبحت تعرف بالمدرسة الرحبانية.
لكن عبقرية عاصي تجلت بصورة اوضح على خشبة المسرح فقد اسس مع منصور شكلا مسرحيا جديدا يجمع الشعر والغناء والتمثيل والرقص والتشكيل البصري في وحدة فنية متكاملة وهكذا ظهرت روائع مثل جسر القمر وبياع الخواتم وهالة والملك والشخص وناطورة المفاتيح وبترا وغيرها من الاعمال التي تحولت الى جزء من الذاكرة العربية.
لم تكن القرى الرحبانية مجرد اماكن متخيلة بل كانت اوطانا صغيرة تختزن احلام الناس وهمومهم ولم يكن ابطالها شخصيات عابرة بل نماذج انسانية تبحث عن الحرية والعدالة والمحبة والكرامة ولهذا استطاعت تلك الاعمال ان تخاطب وجدان العربي من المحيط الى الخليج.
وكان عاصي يمتلك قدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية الى شعر وعلى تحويل الحكايات البسيطة الى رموز انسانية واسعة الدلالة فبائعة البندورة في الشخص ليست مجرد فتاة فقيرة بل صوت البراءة في مواجهة عالم تحكمه المظاهر وجسر القمر دعوة الى المصالحة وبترا رمز للكرامة والصمود.
وفي زمن الانقسامات والخيبات استطاع عاصي ان يشيد مع منصور وطنا موازيا حدوده الحلم والجمال والانسانية ولذلك لم يكن المسرح الرحباني مجرد تجربة فنية ناجحة بل كان مشروعا حضاريا متكاملا ومتنفسا روحيا لملايين العرب.
في الحادي والعشرين من يونيو عام 1986 رحل عاصي الرحباني لكن الرحيل كان جسديا فقط اما حضوره الحقيقي فما زال يتردد في صوت فيروز وفي ذاكرة الملايين وفي تلك القرى التي بناها بالكلمات والالحان.
وبعد اربعين عاما لا يبدو عاصي جزءا من الماضي بقدر ما يبدو جزءا من المستقبل فالفن الحقيقي لا يعرف الشيخوخة والاعمال الصادقة لا تموت.
لقد علمنا عاصي الرحباني ان الموسيقى ليست اصواتا جميلة فقط وان المسرح ليس خشبة وستارة وان الوطن ليس حدودا وجغرافيا بل حالة من الحلم والجمال والانسانية.
ولهذا سيبقى عاصي الرحباني واحدا من الاسماء النادرة التي استطاعت ان تحول الفن الى ذاكرة وان تجعل من الجمال شكلا من اشكال الخلود.