وسام الإمارات للثقافة والإبداع للدكتور إسماعيل عبد الله

أمينة عباس - فينكس

لم يكن منح الكاتب المسرحي الإماراتي د.اسماعيل عبد الله وسام الإمارات للثقافة والإبداع مؤخراً حدثاً خليجياً فقط لِما لـ د. عبد الله من أيادٍ بيضاء على الثقافة العربية عموماً والمسرح بشكل خاص، حيث أعاد الحيوية للحالة المسرحية العربية من خلال ترؤسه للهيئة العربية للمسرح منذ العام 2008 وحتى الآن، وهي التي أسسها حاكم الشارقة الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي، وأخذ بيدها عبد الله من خلال إدارته لها عبر هذه السنوات من خلال ترؤسه لمهرجان المسرح العربي الذي هو من أهم المهرجانات المسرحية العربية وقد رفع شعار "من أجل مسرح جديد ومتجدد" ليكون علامة فارقة في مسيرة المسرح العربي والمتنفس الأهم للمسرح في البلدان العربية من خلال حرصه على تواجد المسرحيين العرب عبر عروضهم والعديد من الفعاليات التي يستقطب بها شخصيات مسرحية فاعلة في جميع المجالات المسرحية، وقد كانت آخر دورة له في مسقط مطلع العام الحالي وما إن انتهت حتى بدأت تحضيرات اسماعيل عبد الله لعقد الدورة 16 في القاهرة، حيث شهدنا نشاطاً كبيراً وجهوداً جبارة من قبله بزياراته لمصر تمهيداً لإقامة دورة متميزة في مطلع العام القادم، كما يُسجَّل لعبد الله العديد من المبادرات العربية الرائدة، حيث ترأس فريقَ العمل لإعداد "الاستراتيجية العربية للتنمية المسرحية" التي أُطلقت واعتُمِدت من وزراء الثقافة العرب في الرياض كانون الثاني 2015 كما ترأس فريق إعداد "استراتيجية تنمية وتطوير المسرح المدرسي في الوطن العربي" التي تم اعتمادها في حزيران 2015 والعديد من المشاريع المسرحية الرائدة عربياً.. من هنا جاء منحُه الوسام تقديراً لعطائه وإسهاماته النوعية التي شكلت علامة فارقة في القطاعِ الثقافي والإبداعي، وساهمت في ترسيخ مكانة الإمارات كمنارة للفكر والفن والإبداع، وأثر ذلك في دعم الأجيال الشابة وترسيخ قيم الإبداع والمسؤولية الثقافية.
مكرَّم في مهرجان دمشق المسرحي
عرفت دمشق منذ زمن قيمة وأهمية هذه الشخصية المسرحية، حيث تم تكريم اسماعيل عبد الله في مهرجان دمشق المسرحي–الدورة 15 عام 2010 وهو المهرجان الذي يكنُّ له كل المحبة، وقد كان حريصاً كأمين عام للهيئة العربية للمسرح على أن تُصدِر ضمن مشروعها التوثيقي كتاباً حمل عنوان "خزانة ذاكرة مهرجان دمشق للفنون المسرحية 1969–2010" قام بإعداده وتجميع مادته الباحث السوري عبد الناصر حسو، وقد أعلن إسماعيل عبد الله حينها عن غبطته بتحقيق هذا الإنجاز بقوله: "إننا في الهيئة العربية للمسرح وبتوجيه من صاحب السمو الشيخ د.سلطان بن محمد القاسمي نسعى إلى إضاءة الأركان المعتمة من مسارحنا العربية، ونعمل ما استطعنا للتعاون مع كل المسرحيين لحفظ الذاكرة لتكون المنجزات على محكّ التقويم والاستئناف، فكيف نبني حاضراً منبتّاً عن قراءة الماضي؟ وكيف للمستقبل أن لا يولد من رحم الحاضر؟ هذه الخزانة هديتنا لمهرجان لعب دوراً هاماً في تكوين وعينا المسرحي على امتداد الوطن العربي".
كاتب مسرحي من الطراز الأول
يُعدّ إسماعيل عبد الله كاتباً مسرحياً من الطراز الأول، وفي رصيده عدد كبير من النصوص المسرحية التي جسَّدتْها خشبات المسارح العربية، كتب بعضَها من تجربته الحياتية، واعتمد في بعضها الآخر على الأدب، مستنداً على روايات عالمية، موضحاً في حوار له مع الإعلامي عبد العليم البناء: "عندما يشدّني عمل ما وأرى أنه من الممكن أن نسقطه على واقعنا يكون متكأ مهماً لي في صياغة عمل مسرحي، لكن بالتأكيد كل ما مررتُ به في حياتي شكَّل هذا الوعي وشكَّل مفرداتي وكل هذه المكتسبات التي من خلالها يمكن أن أنسج عملاً مسرحياً".. ويؤمن عبد الله أن كل محاولات تحجيم دور المؤلف لن تنجح: "أعتقد أن أساس النص المسرحي الكلمة، لكن هذا لا يعني أننا نرفض الرؤى الحداثية، والمسرح في النهاية صورة، وبالتالي فالمشهدية يجب أن تتكامل بين رؤية مُخرج في بناء صورته وبين الكلمة وقوتها، لذلك أعتقد أننا كلما ابتعدنا عن النص افتقدنا إلى صياغة عمل مسرحي قادر على التأثير".. وانطلاقاً من هذا الكلام وردّاً على من يقول بوجود أزمة في النص المسرحي العربي يبيّن عبد الله أن الأزمة هي أزمة مخرج وليست أزمة نص أو مؤلف، وهي أزمة بحث عن نصّ: "هناك العديد من المسابقات في التأليف المسرحي تطلقها هيئات ومؤسسات عديدة، منها الهيئة العربية للمسرح التي تشرك في المسابقات أكثر من 400 نص للصغار والكبار لكتّاب مهمين، فهل يعقل أنه في كل هذه النصوص لا توجد نصوص مهمة؟ لذلك ليست هناك أزمة نص بل أزمة رؤى وأزمة خيال وأزمة مخرج".
الإخراج محطة مؤقتة
مارس اسماعيل عبد الله الإخراج في فترة من الفترات، وعن هذه المرحلة يقول: "الإخراج كان محطة مؤقتة ارتبطت بغياب الخريجين الأكاديميين، فاضطررت لممارسة التجربة الإخراجية، لكن كانت لدي قناعة أنني لن أكون مخرجا متميزاً، فابتعدت عن الإخراج فور وصول الدفعة الأولى من الخريجين الأكاديميين في مسرح الإمارات، ووجدتهم الأقدر على إدارة هذه الدفة، وكانت تجربتي الإخراجية في المسرح الجامعي أغنى، وبعدها قدمت تجربتين لفرقتَي مسرح خورفكان ومسرح الإمارات القومي، وكانت تجربة استثنائية، وشاركنا في المهرجان الخليجي الأول لدول مجلس التعاون، وبعدها اتخذت قراراً بأنني يجب أن أتوقف عن ممارسة الإخراج وركزتُ في علاقتي بالمسرح على التأليف".
صاحب المشروع الثقافي والإبداعي والتنويري
يقول المخرج المسرحي السوري د. تامر العربيد: "إن أفضل عنوان للحديث عن إسماعيل عبد الله الأديب المسرحي المبدع أنه صاحب المشروع الثقافي والإبداعي والتنويري والمدير الثقافي وهو الكاتب صاحب التجربة المسرحية الغنية والثريّة التي جعلت منه هذا الاسم الحاضر على صعيد الأدب والمسرح الخليجي والإماراتي، ومن ثم صاحب التجربة التي عُممت على كافة المسارح العربية من خلال نصوصه التي كتبها، وبذلك يبقى المسرح ميدانه الأوسع والأرحب والذي قدم من خلاله بصمات وعلامات فارقة على صعيد النص المسرحي والتجربة المسرحية.. وفي الحديث عن وسام الإمارات الذي تقلده عبد الله وهو أرفع وسام في الشأن الثقافي في الإمارات أستطيع القول أنه وسام لكل المثقفين العرب، ومما يثلج الصدر أن منحه الوسام يتفق عليه الجميع في الإمارات وفي الوطن العربي، وهذا ما لمسناه من ردود الفعل، حيث اتفق الجميع على أهمية هذا المبدع وعلى أنه يستحقه لجملة من الأسباب، أولها النتاج الثقافي الغني الذي قدمه للمسرح، والتميز على صعيد الجرأة في نصوصه وغناها في المواضيع، والحضور اللافت له على صعيد المسرح الإماراتي والمسارح العربية وهو الذي بسط -قبل أن يكون الأمين العام للهيئة العربية للمسرح ورئيس مجلس الأمناء فيها- تأثيره الأدبي والمسرحي لسنوات طويلة، لذلك هناك إجماع على أنه يقف في مقدمة كتّاب المسرح في الإمارات والخليج العربي، فاستحق هذا الوسام وهو على صدر كل المسرحيين الإماراتيين والعرب لأن عبد الله يقود مشروعاً مسرحياً يريده أن يتجاوز حدود الإمارات، وقد تبنّى كأمين عام للهيئة الطاقات الشابة العربية والتجارب والمسرحيات العربية، واعتنى بالشأن المسرحي على صعيد ورشات العمل وإقامة المهرجان المسرحي العربي سنوياً ليكون موعداً للمسرحيين العرب ومكاناً للتنافس الخلاق بينهم، إلى جانب اهتمامه الكبير بالمطبوعات والإصدارات التي أصبحت مكتبة ومرجعاً، وإفساحه المجال أمام كل الباحثين والدارسين عن طريق الكتابةِ لمسرح الطفل والكبار والدراسات، لتكون الهيئة مشروعاً يؤكد أهمية عبد الله مسرحياً وأدبياً ومعرفياً وإبداعياً"..
مبيناً العربيد أن المسرحيين السوريين يعرفون أهمية هذه الشخصية المسرحية ومقدار محبته للمسرح والمسرحيين السوريين: "هو كان دائماً في قلب المسرح السوري اهتماماً من خلال التواصل الدائم مع مسرحييه، لذلك وكمسرحي سوري أبارك له وللمسرحيين العرب تقليده أرفع وسام ثقافي في الإمارات لأنه علامة فارقة في خارطة المسرح العربي وقامة إبداعية مسرحية بمشواره وإرثه وتجربته ومشاريعه التنويرية، وهو مثال وقدوة في إدارته التي جعلت الهيئة متجددة وتمتلك مشاريع دائمة وأفكاراً ورؤى متجددة تحفز الشباب وتؤكد أن المسرح فن قائم مرتبط بالحياة والإنسان ويستحق الاهتمام".
مسيرة إبداعية حافلة بالإنجازات 
يأتي منحُ الكاتب المسرحي الإماراتي إسماعيل عبد الله وسام الإمارات للثقافة والإبداع برأي الكاتب والناقد السوري جوان جان تتويجاً لمسيرة إبداعية حافلة بالإنجازات لا على صعيد المسرح في الإمارات أو دول الخليج العربي فحسب، بل وعلى الصعيد العربي أيضاً.. يقول: "إذ يُعْتَبَر عبد الله من أوائل المسرحيين الذين ساهموا في صناعة حركة مسرحية فعالة ومؤثرة في عدد من الدول العربية من خلال موقعه في الهيئة العربية للمسرح كأمين عام لها، وهو دائم الاهتمام بإقامة دورات وورش متخصصة في المسرح في مختلف البلدان العربية.. ويعرفه جمهور المسرح في سوريا من خلال تكريمه في مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر في العام 2010 وهو الذي نال عدة مرات جوائز في التأليف المسرحي في المهرجانات المسرحية في الإمارات وفي بعض الدول العربية، كنيله جائزة أفضل نص في مهرجان الكويت المسرحي عام 2011 عن مسرحية "البوشية" بالإضافة إلى عدة جوائز نالها في دورات أيام الشارقة المسرحية كجائزة أفضل نص عن مسرحية "ليلة مقتل العنكبوت" في دورة العام 2005 والجائزة نفسها نالها في دورة العام 2023 عن مسرحيته "صرخات من الهاوية"، كما تم اختياره "شخصية العام" في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الحادية والثلاثين عام 2024، وكرمته وزارة التربية والتعليم في المملكة الأردنية الهاشمية منتصف العام الحالي في افتتاح الدورة الثانية من مهرجان المسرح المدرسي العربي، تقديرًا لجهوده الإبداعية التي يرفد بها المسرح العربي عامة والمسرح المدرسي بشكل خاص من خلال مشاريع استراتيجية تنمية وتطوير هذا المسرح في الوطن العربي.