على هامش معرضها "أصداء الـ 12 عام".. سارة شمة: أول من تفاجئه لوحتي أنا

أمينة عباس- فينكس

ما تزال أصداء ال 12 عاماً التي عاشتها الفنانة التشكيلية سارة شمة بعيدة عن بلدها سورية تتردد في أروقة المتحف الوطني الذي يحتضن معرضها "أصداء 12 عاماً" الذي يختصر ما أنتجته خلال السنوات التي كانت فيها بعيدة عن بلدها، وقد وصفته شمة قائلة: "يضم المعرض لوحات هي باقة من المشاعر والعواطف التي حملتُها خلال الـ 12 عاماً من غيابي عن سورية والتي تم اختيارها من معارض سابقة لي حملت عناوين "الطابور، الغباء الجمعي، العبودية الحديثة، الحرب والأطفال والشتات، حرب أهلية عالمية".

وعلى وقع الأصداء الطيبة لهذا المعرض الذي مُدّد للشهر الثاني استضاف نادي الجمعية الخيرية العمومية الأرمنية الفنانة شمة في حوار أجرته معها الإعلامية ديانا جبور التي بيّنت فيه وهي التي حضرت افتتاح المعرض أن الحضور الكبير للمعرض كان من مختلف الأعمار والشرائح والمستويات الاجتماعية، وقد كان خير معبّر عن سورية التي نحبها ونتمناها، ومن خلال ذلك سألت جبور شمة إن كانت تؤمن بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة للمصالحة المجتمعية ويسهم في تحديد ملامح الهوية الوطنية الجامعة، لتجيب سارة شمة دون تردد أنه كذلك لأن الفن منتج حقيقي نابع من القلب، وهو قادر على خلق أقوى وحدة بين الناس المختلفين لقدرته على الدخول في لاوعي الإنسان وتحريك خياله وجعله قادراً على التعرف على ذاته، وبالتالي على محيطه".

عادت سارة شمة من خلال أسئلة جبور وما طرحه الحضور الكبير من أسئلة إلى طفولتها ودور عائلتها، وخاصة والدتها في اكتشاف موهبتها وتشجيعها وتطويرها والتي توّجت بدراستها في كلية الفنون الجميلة وتدريسها في مركز أدهم اسماعيل في محاولة منها لمعرفة إن كان الفن يُدرس، وقد أدركت من خلال تدريسها أنه لا يُدرس وأن الشغف والمعاناة قد تدعمه لكنها ليست هي الأساس في إبداعه عكس ما يردده الكثيرون.. وردّاً على سؤال إن كان النجاح بشكل عام مرتبط دوما بالموهبة أجابت شمة قائلة: "كثير من الموهوبين لا ينجحون، ومن السهولة أن تُقتل الموهبة في البيت أو المدرسة أو الجامعة، ومن هنا أقول إن الموهبة وإن كانت مهمة للنجاح لكنها لا تكفي، فهي تحتاج إلى التعب والمثابرة والإصرار وخوض المعارك والحلم الذي هو أهم عنصر في تحقيق النجاح الذي يجب أن لا يركن إليه الفنان لأنه قد يتحول إلى قيد في بعض الأحيان عندما يستكين إليه، من هنا يجب عليه أن يدرك في كل خطوة من خطوات النجاح أن يعود إلى الصفر ليبدأ من جديد، ودون ذلك سيكون مصيره الفشل".

وعن علاقتها باللوحة بعد الانتهاء منها تقول شمة: "ما إن تُعلّق لوحتي حتى أراها وكأنها خُلقت من جديد لتعيش حياة أخرى مع المتلقي فتصبح أداة تتفاعل مع الجمهور ويتفاعل معها بمقدار ما تحدثه من أثر فيه وهو ما أترقبه دوماً من لوحاتي وأعي تماماً أن المتلقي حرّ في كيفية التلقي ولا أنتظر أن يصفّق لي الجميع حيث يكفي وجود شخص أو اثنين من أصل 100 غيَّر الفن من نظرتهم لأنفسهم، وهذه هي جائزتي، أما أنا فأرى أعمالي بعد الانتهاء منها بعين الناقدة والمكتشفة، وأرى في كل لوحة من لوحاتي بعد إنجازها ما هو جديد لأنني أعمل بشكلٍ غير واعٍ ولاشعوري، وهكذا تتمّ عملية الإبداع لديّ، فهي تخضع لهذا الاتحاد بكلّ شيءٍ ولا شيء، لذلك فإن أول من تفاجئه لوحتي أنا".

ولأن سارة شمة من القلائل الذين اشتغلوا مبكراً على فن البورتريه وما زالوا مخلصين له حتى الآن ومن أوائل الفنانات السوريات اللاتي رسمنَ السيلف بورتريه وقدمت كثيراً من اللوحات التي رسمت فيها نفسها في مختلف المراحل التي مرت بها تقول: "يجب أن تعرف نفسك لتعرف العالم، ويجب أن تكتشفها وأن تعمل عليها، لذلك فإن لوحة السيلف بورتريه بالنسبة لي هي غوص في العالم من خلال صورتي التي تتغير باستمرار كما يتغير العالم، فعندما نعرف ذواتنا نحب أنفسنا، وحينها سنكون قادرين على حب محيطنا، أما التشويه الذي أجريه على نفسي في اللوحة فأنا أتعمّده، فلا كمال في لوحتي، ودون هذا التشويه لا معنى لوجهي لأن الوجه المشغول بطريقة واقعية يصبح مملاً وبليداً، وبالتالي فإن هذا التشويه يخلق واقعاً آخر للّوحة ويعطي المشاهد فرصة للتأمل والسؤال، وهذا التناقض بين الكلاسيكية والتجريدية أجده مهماً للغاية، وهو بالنسبة لي يعبّر عن الحياة والموت وأن كل الاشياء مصيرها للزوال، وهذا ما يجعلني أربط عملي دوماً بهما وبالخلود الذي يعيشه الفنانون الذين يتركون وراءهم أثرا مادياً، لذلك أؤمن أن الموت هو المحرك الأساس للإبداع".

ولا تؤمن سارة شمة بالمدارس في الفن الذي أصبح مزيجاً من كل المدارس، ولا تؤمن أنه للنخبة كما يُقال، فما يهمها هو ردة فعل الناس البسطاء على ما ترسمه.. وحول واقع الفن في بلدنا تشير إلى أن تاريخ الفن ليس قديماً في بلدنا، فنحن ما زالنا في البدايات مقارنة مع ما أنجزه غيرنا فيه، إلا أنها تؤكد أن ما يميز الفنان السوري أنه مثابر وصادق في عمله.

يُذكر أن عضو الأكاديمية الملكية للفنون الفنان البريطاني ديفيد ماك قام بتنسيق المعرض.

سارة شمة فنانة سورية تُعتبر من أشهر الفنانين الذين كانوا يعيشون في دمشق قبل الحرب، وانتقلت إلى لندن عام 2016 حيث تعيش وتعمل حالياً، وقد أقامت الكثير من المَعارض الفردية وحصدت العديد من الجوائز المحلية والعالمية، منها الجائزة الذهبية في بينالي اللاذقية 2001 والجائزة الرابعة في مسابقة البورتريه العالمية في لندن 2004 والجائزة الأولى للرسم في مسابقة الفن العالمية للتاريخ الطبيعي في متحف جنوب أستراليا عام 2008 وغيرها في إسبانيا والولايات المتحدة الأميركية، وأعمالها مقتناة من قبل متاحف ومؤسسات مختلفة ومجموعات خاصة في أغلب دول العالم، كما اختيرت من ضمن المشاهير في العام 2010 من قبل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة كشريكة في البرنامج، وهي أول رسامة عربية تقيم معرضاً في متحف داليتش غاليري العريق في لندن وكان تحت عنوان "أرواح جريئة" وضمّ المعرض مجموعة من أعمالها المستوحاة من لوحات محددة من مجموعة المتحف التاريخية ركَّزت فيها على الشخصيات النسائية.