(١٩) فناناً تشكيلياً سورياً يذهبون مع علي الراعي في غواياته اللونية
* عبر عشرة أعوام قدّم لنا الراعي ثلاثة كتب اختزل فيها ولعه القديم بالتشكيل والذي كاد أن يجعله فناناً لا صحفياً.
* فنان الكاريكاتير عبد الله بصمه جي، ومساهمته القوية في نقل الكاريكاتير من شكله الريبورتاجي إلى الرسم بدون تعليق
* يصف الفنان محمد ناجي العبيد بأكبر معمري فناني سورية التشكيليين، حيث ساعدته سنوات عمره التي تجاوزت المئة أن ينتج أكثر من( 6 ) آلاف لوحة متنوعة.
* بقي سؤال واحد يداهمني: لماذا اختار الكاتب الراعي الرقم ( 19 ) ليجمع ضمنه هؤلاء الفنانين المنتقين؟!
.......
سامر الشغري
بالمقارنة بين وظيفة المؤرخ والناقد وطبيعة عملهما وهما يرصدان الحياة والأحداث والبشر، فإننا نجد خيطاً رفيعاً يفصلهما، فالأول ينطلق من الواقع ليصل إلى رأيه، أما الثاني يبدأ برأيه ليصل إلى الواقع، فكيف إذا قام شخصٌ واحدٌ بكلا الوظيفتين، بالتأريخ وبالنقد في ذات العمل؟.
الوله القديم
يمكننا أن نُصنف ما يقوم به الإعلامي والأديب علي الراعي ضمن هذا الباب من خلال مشروعه النقدي للفنون التشكيلية في سورية، ولاسيما كتابه الأحدث بهذا المضمار وأقصد، "جماليات الغواية اللونية ــ وجوه من المشهد التشكيلي السوري".. فعبر عشرة أعوام قدّم لنا الراعي ثلاثة كتب اختزل فيها ولعه القديم بالتشكيل والذي كاد أن يجعله فناناً لا صحفياً، فبعد أن جاء كتابه الأول "الطواحين" على صورة دراسةٍ بجماليات العمارة على ضفاف الأنهار السورية، وقدّم لخلاصة تجارب تشكيلية متنوعة في إصداره الثاني "دروب في المشهد التشكيل السوري ــ ملامح البحث عن هوية"، استكمل في مؤلفه الثالث الذي نحن بصدده الآن مشروعه النقدي التوثيقي من خلال مقاربة 19 تجربةً تشكيلية، بدأها بأنثى وختمها بأنثى.
وقسّم الراعي الكتاب إلى خمسة أبواب تضمنت عناوينها جميعا كلمة وجوه "وجوه أولى ــ وجوه تالية ــ وجوه خارج السرب ــ وجوه بعلامات فارقة ــ وجوه أخيرة"، بغاية تناول مقاطع من اتجاهات فنية مختلفة تغطي جميع أنواع الفنون التشكيلية من تصوير ونحت وحفر وتنتمي لأجيال عدة، والتركيز على التجارب ذات الخصوصية والوفية لملامحها السورية والتي اكتسبت هويتها من إرث قديم، مستعيناً في ذلك بقراءاته وحواراته مع عدد من هؤلاء الفنانين.
مع ليلى نصير
وعندما نبدأ مع الراعي قراءاته للفنانين لا نملك إلا أن نتعاطف مع الرائدة التشكيلية ليلى نصير، والتي رغم منبتها الارستقراطي انحازت للفقراء والمسحوقين فكانوا أبطال أعمالها، وكان صنوها في ذلك الكبير لؤي كيالي، بأسلوبٍ بدأته واقعياً يميل للتوثيق، ثم أخذت تعيد صياغته لتعكس المشاعر الإنسانية والروح المعذبة ببصمة تعبيرية خاصة.
ويعيدنا الراعي مع بدء حديثه عن الفنان نذير نبعة لأربعينيات القرن الفائت عندما كانت ضاحية المزة قرية من قرى دمشق، حيث ترعرع نبعة بين بساتينها وأشجارها، فكانت صورها الغافية بمستودع ذكرياته بمثابة النبع الثر والغني لفنان صنف كأحد سدنة الجمال السوري، الذين أغنوا اللوحة التشكيلية في سورية لتأخذ مكانتها اللائقة إلى جانب الجمال الفني العالمي.
ويطيبُ للراعي وهو يتحدث عن الفنان محمد ناجي العبيد بأن يصفه بأكبر معمري فناني سورية التشكيليين، حيث ساعدته سنوات عمره التي تجاوزت المئة أن ينتج أكثر من( 6 ) آلاف لوحة متنوعة الأساليب والغايات والجماليات، وما فتئ يكرس فيها هويته السورية، منتقداً زملاءه لانتماء نتاجهم الفني للمدارس الغربية ولتقليدهم الأوربيين.
رواد الخروفية
ويختم الراعي الباب الأول في كتابه بالفنان معد أورفلي، والذي وصفه بأول مهندس ديكور سوري بشهادة أكاديمية، فهذا الفنان الذي ظل متأثراً بأجواء مدينته حماة، هو أحد رواد اللوحة الزخرفية، وكانت تجربته استمراراً لمن سبقوه، وأساساً لمن سيتابع في مضمار الرسوم الزخرفية والإسلامية.. ونقرأ في مطلع الباب الثاني "وجوه تالية" عن الفنان نشأت الزعبي، وهو كما يخبرنا عنه الراعي صاحب تجربةٍ فنيةٍ حافلةٍ في مقاربته للواقع بصورةٍ مثالية، مقدماً لوحة تميزت بعلاقتها الوثيقة بالطبيعة الريفية وإنسانها، وبعده يقدم مؤلف الكتاب للفنان خليل عكاري والذي حظيت عنده الطبيعة السورية بمختلف أقاليمها بمكانةٍ أثيرة، لنذهب بعدها في جولة على تجربةٍ سورية الطابع عبر الفنان إدوار شهدا، باعتماده على التراث السوري والمشرقي عموما، ويليه تحليلٌ متشعبٌ في تجربة الفنان أنور الرحبي، والتي تعتمد على الحكايات وبطلتها في غالب الأحيان المرأة، بمضامين وأفكار مثيولوجية سورية عتيقة، ليكون ختام هذا الباب مع الفنان نبيل رزوق والذي اعتبر من الحفارين المبدعين في سورية، وتجربته طويلة في هذا المجال.
أربعة تجارب
وفي الباب الثالث نقرأ عن أربعة تجارب، الفنان بديع جحجاح والذي يغوص في عوالم التصوف وشخصية الدرويش وحركاته الدورانية، والفنان سبهان آدم الذي ذهب إلى عوالم كابوسية مسخية بلوحاته الصادمة، والفنان وضاح السيد الذي يسعى وراء عمل يماهي بين القصيدة واللوحة بأسلوب ينحاز للشعبوية لينزل العمل الفني من أعلى نخبويته، والفنان عبد السلام عبد الله الذي اختص في رسم الطبيعة، واختار أجمل ما فيها وهي الورود.
وفي باب وجوه بعلامات فارقة سنتوقف عند ثلاثة نحاتين، وهم جميل قاشا وأشكاله التي نوّع فيها بين الإنساني والحيواني، وأنسن في بعضها تكوينات حيوانية، ونزار علي بدر وحصاه الصغيرة التي جمعها من جبل الأقرع وكوّن أعمالاً تركيبيةً حاكت المأساة السورية، وحسن عزيز محمد وتجربته الفريدة في الأعمال النحتية البحرية وسعيه لإحياء الآثار الفينيقية، ليكون ختام هذا الباب مع الفنان أسامة
جحجاح، والذي سخّر الكومبيوتر وبرامج الغرافيك لخدمة التشكيل، وجعل العمل الفني ذا قيمةٍ ملموسةٍ ومحسوسة.
وجوه أخيرة
وفي الباب الأخير "وجوه أخيرة" يسترعي الانتباه الحديث عن فنان الكاريكاتير عبد الله بصمه جي، ومساهمته القوية في نقل الكاريكاتير من شكله الريبورتاجي إلى الرسم بدون تعليق، ليغلق الراعي هذا الباب على تجربة الفنانة التشكيلية أسمهان حامد، التي اختصت في مجال يناضل منذ عقودٍ ليحجز له مكاناً بين الفنون الجميلة، وهو التصوير الضوئي.
وبعد هذا الشرح لكتاب "جماليات الغواية اللونية" الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، بقي سؤال واحد يداهمني: "لماذا اختار الكاتب الراعي الرقم ( 19) ليجمع ضمنه هؤلاء الفنانين المنتقين، هل كان ذلك صدفةً أم اختيارٌ متعمدٌ" ولعلّ الصديق الراعي هو وحده من لديه سرّ هذا الجواب.