قبل أن يتوقف ذلك النسيم العذب رسالة مفتوحة الى الفنان عبد اللطيف عبد الحميد

بدر ابراهيم أحمد

بمناسبة وفاة المخرج السينمائي الكبير عبد اللطيف عبد الحميد، تعيد فينكس نشر هذه المقالة للزميل بدر ابراهيم أحمد، وقد كُتبت 2005.

في فيلمك "نسيم الروح" كأس شاي لم يشرب، وذات يوم كنت مع صديق لي نحتل ركناً دافئاً من مقهى الهافانا بدمشق، طلبنا شاياً، حسب رغبتي، ثم رحت أطوف بصري في فناء المكان والوجوه وحتى الشارع الذي تخلى للمقهى عن رجل ما.

أشار صديقي نحو الرجل وسألني: هل عرفته؟ نفيت، فقال لي إنه المخرج السينمائي عبد اللطيف عبد الحميد. وفجأة وجدتني أستعيد في ذاكرتي أعمالك الرائعة: ليالي ابن آوى، رسائل شفهية، وصعود المطر. كنت أبحث عنك في أعمالك أو أبحث عن أعمالك في ملامح وجهك. يومها كان بإمكاني أن أنهض وأتجه إليك لأصافحك وأسألك سؤالاً ساذجاً، لكنني آثرت ألا أقترب منك حتى لا تنتهي دهشتي بك على رأي شاعرة يابانية تقول من الهايكو: "حينما تلامس الإصبع الممتدة، السعادة، تنتهي تلك السعادة".. وإذ أدمت النظر اليك محاولاً ألا تفوتني أي حركة تصدر عنك، ذكرني صديقي: اشرب الشاي قبل ان يبرد.
كانت لحظة سعادة نادرة كتلك اللحظات التي جعلت سامراً (بسام كوسا ) ينسى شرب الشاي. ولقد تناهى إلي أنك حصلت على فكرة فيلمك هذا من مقهى الهافانا نفسه (....) لقد حضرت الفيلم أربع مرات، وصدقاً لم يحدث يوماً أن تمنيت حضور فيلم في العرض التالي مباشرة إلّا نسيم الروح. ولو كان بإمكاني لحضرته ألف مرة ومرة عساني أحفظه عن ظهر قلب أو أدخل موسوعة غينيس.
في كل مشاهدة كنت أكتشف شيئاً جديداً لم أدركه في المرة السابقة. أكتشف تفاصيل التفاصيل، أو أكتشف الحب رغم أن قلبي مترع به. أكتشف أن لي روحاً رغم أني أحيا وأعيش وأتنفس. أكتشف الحياة التي هي لحظة صدق وعفوية وحب وتفاؤل وثقة بالنفس وباﻵخرين. لحظة فرح وضحكة من اﻷعماق قد تؤدي بنا إلى الموت كما حدث مع أبي عامر (أحمد عداس) هذا الجار ومعظم الشخصيات ابتداء بأبي سامر وأبي غسان وأبي أيمن وانتهاء بمريم وسوسن وريم.. قد لا نجد لها مثيلاً في الواقع لكن ذلك ليس من المستحيل والدنيا على رأي المثل الشعبي "لو خليت خربت"، واكتشفنا من جديد شخصيات كنا قد تعودنا عليها وألفناها: بسام كوسا، سليم صبري، سلاف فواخرجي، لينا حوارنة والأفضل ان ندعوها ريم كما الفيلم، لكن لماذا أطلقت على بسام كوسا اسم "سامر"؟! وكان من حقه أن يأخذ اسم يوسف بدلاً من ذلك الشخص الذي اغتال الحب بين سامر وريم؟ اكتشفنا أيضا أم كلثوم وفيروز وكأننا نسمعهما للمرة اﻷولى أو كما لم نسمعهما يوماً.
وكما حوّل أبو صلاح بقاليته إلى محل لبيع الزهور، حوّلت أنت قلوبنا الى حدائق تمتلئ بالرياحين والطيب. ما أحوجنا الى فيلمك لعلنا كلما شاهدناه ننظف أرواحنا وقلوبنا من الحقد والكراهية والحسد والشك، فلا يبقى فيها سوى الحب والصدق وكل تلك الأشياء السامية التي دافعت عنها في فيلمك.
إن فيلمك هذا يشبه رواية زوربا اليوناني لنيكوس كازاتتزاكي التي لا يمل من قراءتها.
ولهؤلاء الذين لم يعجبهم الفيلم وكتبوا ضده، وحاولوا تشويه نجاحه، أقول: إن وجود من لا يعجبه صوت فيروز لايعني أن صوتها غير ساحر ومدهش. فشكراً ﻷنك جعلتنا نتذكر أن لدينا قلباً وروحاً وأن الحياة أروع وأجمل وأرحب بالحب والمحبة والفرح وكل التفاصيل الصغيرة التي نسيناها أو تناسيناها. وشكراً على كل أفلامك، خاصة الفيلم اﻷخير، اﻷخير ياعبد اللطيف.. واﻵن... صب شاي. 
مجلة تشرين اﻷسبوعي ع /112/
2000/5/22