من وحي يوم المسرح العالمي
قيس يوسف
جميل ان نستذكر أبا المسرح السوري:
الشيخ التنويري أبو خليل القباني.... الذي حاكى زمنا ليس زمنه ودفع ثمن ذلك باهظا ولم ييأس حتى وفاته رحمه الله.....
الشيخ ابو خليل القباني الدمشقي المولود في قنوات عام ١٨٣٣ م المتوفى فيها عام ١٩٠٣ قهرا وحزنا وهربا من الاضطهاد والتعصب السياسي والديني...
حيث شكّل المذكور ظاهرة حضارية مع بدايات ظهور الفكر التنويري للنهضة العربية الحديثة في المشرق العربي بلاد الشام ومصر....
وسبق الكثير من التيارات الفكرية والجمعيات التي كانت سائدة في عصره..... وصارع أدمغة متحجرة... وكان رائدا كبيرا من رواد المسرح والموسيقا العربية....
حيث ابتدع المسرح الغنائي العربي ونقله إلى مصر التي وجد فيها ضالته بالإبداع المسرحي الفني على مدى ١٧ عاما قبل أن يغلق مسرحه ويحرق في القاهرة من قبل حساده وكارهي فكره الحداثوي الراقي....
ولقد ذاع صيته بذكائه النادر وصوته الساحر حين أخذه والده إلى الجامع الأموي ليتعلم اللغة العربية والقرآن الكريم.....
فأصبح لشدة ذكائه وفضوله وحبه للتعلم من رواد المقاهي للتفرج على فصول خيال الظل... والاستماع إلى أهل الفن والموشحات على يد علي حبيب الكركوزاتي، وذهب إلى حلب ليتعلم على يد الشيخ احمد عقيل معلم الغناء الأول، ودرس موشحاتها ورقص السماح المرافق لها....
وقد فضح المبدع سعد الله ونوس الرجعيين في مقال مسرحي له بعنوان: "لماذا وقفت الرجعية ضد أبي خليل القباني؟"...
حيث أشار إلى وقوف المتعصبين الدمشقيين ورجال الدين المرتبطين بسلطة الاستبداد العثمانية ضد تجربته المسرحية الرائدة، والتي أدت إلى منعه من التمثيل وغلق مسرحه بقرار من السلطان العثماني آنذاك عبد الحميد الثاني وإثارة الدهماء عليه وتشويه صورته ونعته بأقذع الألفاظ....
مقالة الشاعر نزار قباني في أبي خليل القباني:
أعجوبة كان هذا الرجل.... تصوروا انسانا أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح... ويجعل من دمشق المحافظة النقية الورعة (برودواي ثانية)، وفي غياب العنصر النسائي اضطر الشيخ القباني إلى إلباس الصبية ملابس النساء وإسناد الأدوار النسائية إليهم.... تماما مثلما فعل شكسبير في العصر الفكتوري....
وطار صواب دمشق وأصيب مشايخها ورجال الدين فيها بانهيار عصبي... فقاموا بكل شيء من أجل ثنيه عن الاستمرار ولكنه ظل صامدا... وظلت مسرحياته تعرض في خانات دمشق ويقبل عليها الجمهور الباحث عن الفكر والفن النظيفين....
تحضرني في نهاية مقالتي مقولة الراحل الذي أحب فكره كثيرا سعد الله ونوس والتي حين تقرأها عزيزي القارئ تعرف لماذا حارب المستبدون الأتراك والمستفيدون من استبدادهم مسرح أبي خليل القباني، ولماذا يحارب الإبداع في سائر أوطان الاستبداد:
بالتسييس أردت أن أمضي خطوة اعمق في تعريف المسرح السياسي... انه المسرح الذي يحمل مضمونا سياسيا تقدميا.... ومن نافل القول أن الطبقات الفعلية التي تحتاج إلى التسييس هي الطبقات الشعبية.... الطبقة التي يؤمل أن تكون يوما ما بطلة الثورة والتغيير...